بين الشعار والاختبار: الصومال والرهان على الانتخابات المباشرة

المزيد للقراءة

بين الشعار والاختبار: الصومال والرهان على الانتخابات المباشرة.
“لا يدافع عن الفاسد إلا فاسد، ولا يدافع عن الساقط إلا ساقط، ولا يدافع عن الحرية إلا الأحرار، ولا يدافع عن الثورة إلا الأبطال… وكل شخص فينا يعلم عن ماذا يُدافع.” نيلسون مانديلا
ليست هذه مجرد عبارات تحفيزية تُتداول في فضاء المنصات، بل مرآة أخلاقية تعكس حقيقة المواقف حين تضيق المسافات بين القول والفعل. وفي الصومال اليوم، تبدو هذه الحكمة أقرب إلى سؤالٍ وطني مفتوح: أين نقف نحن من معركة بناء الدولة وترسيخ شرعيتها؟
لقد قطعت البلاد شوطًا مهمًا في مسار استعادة مؤسساتها وتعزيز حضورها الإقليمي والدولي، غير أن التحدي الأعمق يظل في ترسيخ قاعدة الشرعية الشعبية الكاملة. فالأنظمة السياسية لا تستمد قوتها من التوازنات المؤقتة، ولا من صيغ التوافق المرحلية وحدها، بل من صندوق اقتراع يعكس الإرادة الحرة للمواطن. ومن هنا، فإن الحديث عن الانتخابات المباشرة ليس ترفًا سياسيًا، بل ضرورة تاريخية.
الدفاع عن الحرية في السياق الصومالي يعني الدفاع عن حق المواطن في أن يختار قيادته بنفسه، دون وسطاء، وأن يمنحها التفويض عبر عملية شفافة ونزيهة. الحرية ليست شعارًا يُرفع في الخطب، بل آلية حكم تُمارَس على أرض الواقع. وعندما يُمنح الشعب صوته الكامل، تتغير طبيعة العلاقة بين الحاكم والمحكوم؛ إذ تتحول السلطة من امتياز إلى أمانة، ومن موقع نفوذ إلى موقع مساءلة.
في المقابل، فإن مقاومة هذا التحول أو التشكيك فيه بدعوى الجاهزية أو الظرفية، يطرح تساؤلات مشروعة حول طبيعة المصالح التي تُراد حمايتها. فالتجارب أثبتت أن تأجيل الإصلاح بحجة الظروف لا يؤدي إلا إلى إدامة الهشاشة. وإذا كان الفساد يتغذى على غياب المحاسبة، فإن أقصر الطرق إلى تقويضه هو تمكين المواطن من آلية واضحة لتغيير من يقصّر في حقه.
الانتخابات المباشرة ليست هدفًا بحد ذاتها، بل مدخلًا إلى عقد سياسي جديد يُعيد تعريف الشرعية على أساس الإرادة الشعبية. وهي كذلك رسالة ثقة إلى الداخل والخارج بأن الصومال بلغ مرحلة من النضج السياسي تمكّنه من الانتقال إلى مستوى أرقى من الممارسة الديمقراطية. فالدولة القوية لا تُقاس فقط بقدرتها على فرض الأمن، بل بقدرتها على تنظيم الاختلاف وإدارته عبر مؤسسات منتخبة تمثل الجميع.
إن اللحظة الراهنة تقتضي وضوحًا في الاصطفاف: إما الانحياز إلى مستقبل تُصنع فيه القرارات بإرادة الشعب، أو البقاء في دائرة الحسابات الضيقة. وكل مواطن، وكل فاعل سياسي، يعلم في قرارة نفسه عن ماذا يُدافع: أيدافع عن حق الناس في الاختيار والمحاسبة؟ أم يدافع عن واقع يخشى الاحتكام إلى الصندوق؟
الصومال أمام فرصة تاريخية لتثبيت مسار ديمقراطي راسخ. والرهان الحقيقي ليس فقط على إجراء انتخابات مباشرة، بل على ترسيخ ثقافة سياسية جديدة تؤمن بأن مصدر السلطة هو الشعب، وأن الكلمة الأخيرة يجب أن تكون لصوته الحر. فحين ينتصر هذا المبدأ، تنتصر الدولة، ويُفتح الباب أمام استقرارٍ أعمق وتنميةٍ أكثر رسوخًا.

عبد الرحمن سهل يوسف
عبد الرحمن سهل يوسف
مدير مركز الصومال لتحليل الأزمات

Share

اقرأ هذا أيضًا