موقف الدولة الحديثة من العلماء : بين التهميش والتوظيف السياسي

المزيد للقراءة

موقف الدولة الحديثة من العلماء : بين التهميش والتوظيف السياسي.
المراد بالدولة الحديثة هي التي تقوم على مبدأ المؤسساتية والفصل بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية ، سواء كانت برلمانية أو رئاسية أو ملكية دستورية أو وراثية،
بصرف النظر عن طبيعة نظامها السياسي رئاسية كانت أم برلمانية أم ملكية أو شمولية، أو مرجعيتها الدينية .
هذا التوصيف للدولة الحديثة قد تكون عليه ملاحظات واستدراكات ، فليعلم ذلك.
تأسست غالبية الدول القائمة في العالم الإسلامي إما بعد سقوط الخلافة العثمانية أو بعد رحيل المستعمر الأوروبي عن العالم الإسلامي.
اعتمدت بعض الدول في دستورها بنودا تشبه إلى حد كبير بدساتير الدولة التي استعمرتهم ، حيث يعتبر الدين في بعض شأناً شخصياً لا علاقة له ببناء الدولة وسياسة الحكم، وحجمت دور العلماء والدعاة بسن قوانين إدارية ومؤسساتية تكون جزءا من الجهاز التنفيذي المحاط بسلاسل من البيرقراطية الذي يحول بينهم وبين عملهم التقليدي الذي يجب أن يكون مستقلا عن نظام الحكم .
والغريب أن بعض الحكومات القائمة على العالم الإسلامي مع إعلانها بأن الإسلام هو دين الدولة وأن التشريع الإسلامي هو أحد مصادرها الرسمية وأن العلماء لهم مقامهم ومكانتهم في المجتع بصورة مجملة ، إلا أن هذا الإجراء لا ينعكس على مستوى تطبيقها لنصوص الدستور وتعاملها مع العلماء . وقد غلب على بعض هذه الحكومات الفصل بين الدين والدولة بصورة غير معلنة ، مما انتج عدم إعطاء العلماء دورهم إلا في حالات نادرةً ، ما جعلهم يبقون في ذيل سلم أولويات الحكام .
تتعامل بعض الدول الحديثة مع العلماء بصورة انتقائية ومصلحية؛ ، فإن رأت أن وجودهم إلى جانبها مفيد لبقاء سلطتها وتثبيت أركان حكمها أو تسكين الشارع وتهدئته قرّبتهم وكرمتهم ووسعت لهم المجالس وأغدقت على الذين يوافقونها على بعض قراراتها هدايا مجزية ، ثم إذا استنفدت مرادها منهم لفظتهم وأغلقت الباب دونهم ، وليس يعني ذلك أن كل عطايا الحكومات حرام ولا كل من قبلها يبيع ويتنازل عن مبادئه ويوافق على ظلمهم ، ولا كل من لا يقبل أموالهم يكون بريئا ولو وافقهم عل تصرفاتهم المخالفة للشرع ، بل الصواب أن لا يوافقوهم على باطلهم سواء دفعوا لهم أم لا .
ولو أن بعض العلماء الذين يمالئون الحكام بصورة لا تليق بهم صانوا علمهم وترفعوا عن عطاياهم ، ولم يتزاحموا على أبوابهم، ولم يجمّلوا مجالسهم التي يشوبها بعض المظالم والتجاوزات ، ولم يلبوا دعواتهم التي قد يسفر بطريقة غير مرضية ، لحُفظت مكانتهم، وسُمع صوتهم، وقدر مقامهم ، لما قدر الحكام بالتجاهل عنهم أو الإنكار عن مقامهم أو التجاوز عنهم .
ومن العدل أن الحكام ليسوا على درجة واحدة في تعاملهم مع العلماء والدعاة ، ومن الظلم وضع كلهم في سلة واحدة دون التفريق بينهم وتدريس كل واحد منهم لحاله ووضعه، كما أن العلماء ليسوا كذلك ، فمنهم من لا يجامل الحكام ولا يتنازل عن مبادئه ويقول الحق ولو قبل وصالهم ، ومنهم من لا يدخل عليهم صونا لعرضه ، ومنهم من يقف معهم ولهم مبرراتهم على ذلك ومنهم من دون ذلك ، ولذا يجب التفريق بينهم بعدل وانصاف .
واخيراً إن العلاقة بين الحكام والعلماء لا تقاس بمجرد القرب والبعد ، بل بمدى حفظ استقلال العلم ، وقول الحق ، وأداء الواجب ، ومراعاة مصالح الأمة دينا ودنيا ، وأن التباين بين الفريقين أخذ منعطفات مختلفة صعودا وهبوطا من التوافق شبه الكامل أو التقاطع أو بين ذلك، ويستمر على هذا الاختلاف ما بقيت الدنيا ، وسيبقى الذكر الحسن لمن يؤدي واجبه بصدق وأمانة واخلاص.
عبدالباسط شيخ إبراهيم
يوم الثلاثاء ١٤٤٨/٥/٢هـ
الموافق في ٢٠٢٦/١٠/١٣م

د.عبد الباسط شيخ إبراهيم
د.عبد الباسط شيخ إبراهيمhttp://qiraa
كاتب مهتم بالشؤون الفكرية والدعوية

Share

اقرأ هذا أيضًا