في مراهقتي، حين كنت في بداية شبابي، كنت أتابع قناة الجزيرة، وكان الأستاذ جميل عازر أحد أبرز مذيعي بي بي سي العربية في عصرها الذهبي، وواحدًا من أهم وجوه قناة الجزيرة.
تميز بصوته الإذاعي الجهوري، وبالتزامه الصارم بقواعد اللغة العربية الفصحى ونطقه السليم لمخارج الحروف، وحضوره الطاغي على الشاشة. كانت ملامح وجهه غامضة، لكنها تعكس هدوءًا واحترافية تجعل كل كلمة تصل إلى المشاهد بوضوح.
كانت طريقة ترتيبه للأوراق التي يقرأ منها عناوين الأخبار، وبدايته الرائعة لنشرة الأخبار، ونظرته الثابتة إلى عدسات الكاميرا بعد ترتيب الأوراق، كلها عناصر توحي بأن الخبر يُنقل إليك مباشرة.
كان يعمل بأمانة وإخلاص، وكأن كل كلمة تُقرأ خبرًا عاجلًا يُنقل إليك فورًا. وأعظم ما يميزه كان توجهه نحو الكاميرا؛ وكأنه يقبل نحوك بشكل خاص ومعه الخبر اليقين، وهذا هو جوهر الإعلام: نقل الحقيقة بصدق، بهدوء، ومهنية، مع إحساس بالمتلقي.
لقد كان سببًا في حب أجيال كاملة للإعلام، ونقل للعالم العربي وكل من يهتم باللغة العربية أحداثًا مهمة. نشأنا على صوته في طفولتنا، وكبرت معنا أحداث الشرق الأوسط، ومرت أيام شبابي وأيام الربيع العربي على وقع صوته.
بعد صلاة المغرب، كنا نجتمع أمام كافتيريا فندق الآمن في مدينة قرضو، بفناء صغير ممتد على طول الرصيف. نجلس نشرب الشاي ونتناول السمبوسة والبيض المسلوق، بينما نتابع بكل إنصات نشرة الأخبار على شاشة قناة الجزيرة.
تمر أمامنا السيارات القادمة من ميناء بوصاصو، متجهة نحو الإقليم الصومالي، أو جنوب الصومال، أو مدن شمال البلاد، محملة بالبضائع والمواد الغذائية ومواد البناء، فتشعر ارتباطنا بكل اقاليم البلاد، كانت التجارة مزدهرة يومنا، وذالك قبل أن يهجر الناس الديار. كانت المنطقة عامرة، والسيارات لا تتوقف من كثرتها.
كان صوت محرك السيارات وصفير الناقلات أمرًا مألوفًا بالنسبة لنا، جزءًا من روتين المكان اليومي، بينما الأخبار على الشاشة تنقلنا من عالمنا الصغير إلى أحداث الشرق الأوسط.
لقد عشنا شبابنا بين أهلنا وديارنا بأمن وأمان ولله الحمد والمنة، وبين متابعتنا في الوقت ذاته لما يجري في العالم.
أثناء مشاهدتنا لشاشة قناة الجزيرة، كان يمر أمامنا الأصدقاء والأقارب، ويصادفنا الأحباب وزملاء الدراسة والمعلمون. كنا نتابع الأخبار من جهة، ومن جهة أخرى كنا على تواصل دائم مع محيطنا. كانت المدينة صغيرة، ولهذا كانت تلك البقعة التي تقع على بوابة كافتيريا الفندق استراتيجية؛ فهي تمنحنا رؤية الأحباب مع متابعة الأخبار ونحن نحتسي الشاي.
كان هناك رجل تجاوز الستين من عمره، يتقن العربية حقًا، ويتميز بثقافة واسعة. يجلس عادة في الصف الأول، ولم يكن يغيب عن المقهى ليلاً. يبدو أنه كان يتابع أخبار شاشة قناة الجزيرة باهتمام بالغ، ونحن أطفال لم نتعلم القراءة والكتابة بعد، نراقبه بإعجاب.ولا شك أنه في تلك الفترة، كان في كل مقهى شخص مثله ثقافة وعلما، وكان أكثر فهما للدبلوماسية من كثير ممن يعملون الآن في الدبلوماسية الصومالية.
الأستاذ عبدالرحمن راغي علي

