لأجل من تعمل أيها..
روى ابن الجوزي رحمه الله في كتابه القيم “تلبيس إبليس” أنه كانت شجرة تُعبد من دون الله، فجاء إليها رجل عابد،
فقال: لأقطعنّ هذه الشجرة، فجاء ليقطعها غضبا لله،
فلقيه إبليس في صورة إنسان، فقال له: ما ذا تريد؟
قال: أريد أن أقطع هذه الشجرة التي تُعبد من دون الله،
قال: إذا أنت لم تعبدها فما يضرك مَن عبدها؟
قال: لا بدّ من قطعها،
فقال إبليس: أنا أمنعك من قطعها. فصارعه العابد وضربه على الأرض وقعد على صدره،
فقال له إبليس: أطلقني حتى أكلمك.
فلما أطلقه قال له: هل لك فيما هو خير لك؟ لا تقطعها ولك ديناران كل يوم إذا أصبحت عند وسادتك،
قال: فمن أين لي ذلك؟
قال: أنا لك،
فرجع فأصبح في اليوم الأول فوجد دينارين عند وسادته، ثم أصبح في اليوم الثّاني وجد الدينارين، ثم أصبح بعد ذلك فلم يجد شيئا في اليوم الثّالث،
فقام غضبا ليقطعها، فتمثل له الشيطان في صورته، وقال: ماذا تريد؟
قال: أريد قطع هذه الشجرة التي تعبد من دون الله تعالى،
قال: كذبت، ما لك إلى ذلك من سبيل، فذهب ليقطعها، فضرب به الأرض وخنقه حتى كاد يقتله،
قال أتدري من أنا؟ أنا الشيطان، جئتَ أول مرة غضبا لله، فلم يكن لي عليك سبيل، فخدعتك بالدينارين
فتركتها، فلما جئت غضبا للدينارين سُلطتُ عليك.
حكاية رمزية عن قيمة الإخلاص وأهميته في العبادة، حيث تعلمنا القصة أن الإخلاص لله هو أساس القوة، وأن الأعمال التي يغلب عليها حب الدنيا أو الغضب لأجلها تفقد بركتها وقوتها. وبجانب العبادة الشعائرية، قد يندرج تحت هذه القصة أمور كثيرة ومنها الفرق الكبير والبون الشاسع بين أنّ من يعمل لنفسه أفرادا أو دولا معتمدا بعد الله على إمكاناته الذاتية، وبين أن يصبح الشخص أجيرا عند غيره، وإن سخرت له كل الأدوات والإمكانات.
وكما جاء في المثل: ليست النّائحة كالثّكلى.
تذكرت هذه القصة وأنا أتابع الأخبار السورية هذه الأيام، وما حصل لتنظيم قسد وليس الكرد. قسد التي إلى عهد قريب كانت تسيطر على ثلث مساحة سورية وعلى أراض ممتدة من داخل مدينة حلب إلى حدود العراق وتركيا (أنظر الخريطة المرفقة في المنشور)، ها هي سيطرتها تكاد تصبح اليوم أثرا بعد عين، بعد أن تهاوت بسرعة البرق، بعد ضربات كتائب الجيش السوري. قسد القوية والشرسة، قسد بمقاتليها الــ مائة ألف أو الخمسين، قسد المتمرسة في جميع الحروب في المدن أو الساحات المفتوحة، قسد التي تمتلك الأسلحة الثقيلة والنوعية التي زود بها الأمريكان، كله لم يجد نفعا، وكأنه كان دعاية إعلامية لتخويف السوريين منها.
لماذا؟ لأن القسد لم تكن لذاتها وإنما لغيرها؛ والكل يعرف أن تأسيس القسد كان مشروعا أمريكيا بامتياز لمحاربة د-ا-ع-ش بالدرجة الأولى، ولإزعاج تركيا ثانيا، بعد أن رفض هذه المهمة الجيش الحر السوري والمعارضة السورية عموما (الجيش الحر وافق على محاربة د-ا-ع-ش والنظام معا مقابل الدعم الأمريكي، ولكن الأمريكان أصر على محاربة الأول فقط، وهو ما قبله بعض الأكراد وعلى إثره تم تأسيس القسد).
فقسد هذه، صحيح أنها حاربت ضد د-ا-ع-ش بقوة، ولكنها كانت تعتمد كليا على الأمريكان تسليحا وتدريبا وتوجيها، وعلى غطائه الجوي، وجهوده الاستخبارية؛ ولكن عندما حاربت الجيش السوري الجديد دون هذه الميزة أصبحت نمرا من ورق، ضائعا تائها لا حول له ولا قوة. أما الجيش السوري الذي شكلت نواته، بل معظمه الكتائب التي حاربت النظام طيلة 14 سنة، وعلى جهودهم الذاتية فها هو يجني ثمار عدم اعتماده على الآخرين، وعلى رهن قراره إليهم.
فالمتغطي بالخارج عريان وعاجز وضعيف، وما أفغانستان والجيش الذي بناه الأمريكان عن بالنا ببعيد. وهكذا نهاية كل مشاريع الوظيفية، بل وأشخاصها ودولها.

