مع تصاعد التحديات على طرق التجارة البحرية، أصبح الأمن والسيادة والتكامل الاقتصادي للصومال عناصر أساسية لحماية سلاسل الإمداد الإقليمية وضمان الأمن الجماعي للدول العربية.
تشهد الأسواق العالمية عادة انعكاسات أزمات النقل البحري بشكل صاخب، سواء من خلال ارتفاع أسعار الطاقة أو اضطراب سلاسل الإمداد. وتعد منطقة البحر الأحمر وخليج عدن أحد أبرز الأمثلة على هذا الواقع، إذ أصبحت من أكثر الممرات البحرية العالمية تنافسية واستهدافًا. ما يحدث على هذه المياه لم يعد مجرد شأن محلي، بل يؤثر بشكل مباشر على الأمن الاقتصادي في العالم العربي وما بعده.
ورغم الاهتمام المتزايد بهذه المنطقة الاستراتيجية، يظل عامل أساسي مهم غالبًا ما يُهمل: الصومال.
لطالما ارتبطت الصورة الذهنية للصومال بالنزاع والضعف السياسي، إلا أن هذا التصور لم يعد يعكس الواقع الحالي. فالصومال يشهد تحولًا حاسمًا نحو استقرار أطول، وإعادة بناء المؤسسات الحكومية، واستعادة دوره السيادي مع تزايد أهميته الإقليمية. موقعه الجغرافي عند مفترق طرق العالم العربي وأفريقيا والبحر الأحمر وخليج عدن يجعله عنصرًا محوريًا لاستقرار المنطقة، لا طرفًا هامشيًا فيها.
وتفسر الجغرافيا وحدها أهمية الصومال. إذ يمتلك أطول ساحل على البر الرئيس لأفريقيا، ويجاور مضيق باب المندب الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي. يمر عبر هذه الممرات البحرية نسبة كبيرة من التجارة العالمية وشحنات الطاقة، لذا فإن أي اضطراب على السواحل الصومالية له انعكاسات فورية على موثوقية النقل البحري وأسواق الطاقة والأمن الغذائي، وهي ملفات تحظى باهتمام مباشر من دول الخليج والاقتصادات العربية.
بالنسبة للعالم العربي، يجب النظر إلى الصومال كشريك أمني في الخط الأمامي، وليس كأرض بعيدة. فاستقرار الساحل الصومالي يسهم في احتواء التهديدات قبل وصولها إلى شبه الجزيرة العربية، سواء أكانت في شكل الإرهاب العنيف أو شبكات التهريب أو القرصنة أو التمدد العسكري الخارجي على الساحل الشرقي لأفريقيا.
وليس الصومال بصدد بناء الاستقرار من الصفر. فهناك تقدم ملموس في الهياكل الفيدرالية للحكم، وتطوير القوات الأمنية الوطنية، وتحسين الإدارة المالية العامة. دبلوماسيًا، أعادت الصومال تأكيد حضورها ضمن جامعة الدول العربية والاتحاد الإفريقي والمنتديات متعددة الأطراف. ويعكس هذا التقدم التزامًا واضحًا بالسيادة الوطنية، ووحدة الأراضي، والشراكة المبنية على المصالح المتبادلة، بعيدًا عن الاعتماد على المساعدات.
ويمتد تأثير الصومال إلى الاقتصاد أيضًا. فعضويته في مجتمع شرق أفريقيا تجعله حلقة وصل بين أسواق النمو الأفريقية ورؤوس الأموال الخليجية. ومع الاستثمارات المستهدفة في الموانئ وشبكات النقل والبنية التحتية اللوجستية، يمكن للصومال أن يصبح مركزًا لوجستيًا حيويًا يدعم تنويع التجارة، والأمن الغذائي، والمرونة الاقتصادية في العالم العربي.
وفي قلب هذه الإمكانات يكمن الشباب الصومالي. فالأغلبية العظمى تحت سن الثلاثين، ومع جيل متصل رقميًا، نشط اقتصاديًا ورياديًا، ويدير شبكات تجارية تمتد عبر أفريقيا وجاليات واسعة في الخليج وأوروبا وأمريكا الشمالية، مما يعزز الاستثمارات والتحويلات والخبرة العابرة للحدود.
غير أن كل هذا التقدم لا يمكن الحفاظ عليه بدون أمن قوي ومستقر. فدعم القطاع الأمني الصومالي ليس عملًا خيريًا، بل استثمارًا استراتيجيًا يحمي الممرات البحرية، ويعزز الثقة في الاستثمار، ويمنع الاستغلال الخارجي للفراغات الحوكومية.
وتزداد أهمية الصومال مع ارتفاع المخاطر الاستراتيجية في البحر الأحمر وخليج عدن، لا سيما مع محاولات بعض الجهات الخارجية فرض واقع سياسي جديد على الأراضي الصومالية، بما في ذلك الاعتراف الأحادي بمنطقة شمال الصومال (صوماليلاند) دون موافقة الحكومة الفيدرالية، أو مناقشة مشاريع نقل الفلسطينيين من غزة قسريًا إلى المنطقة. كل هذه التطورات تؤكد أن وحدة واستقرار الصومال تتماشى مع المصالح العربية الأساسية ومبادئ السيادة والعدالة وتقرير المصير.
الصومال جاهز ليكون جزءًا من الحل. ومع الدعم الاستراتيجي المدروس، خصوصًا في تطوير الأمن والبنية التحتية اللوجستية، يمكن أن يصبح ركيزة أساسية لاستقرار البحر الأحمر وخليج عدن، وجسرًا للتواصل مع شرق أفريقيا، وشريكًا طويل الأمد للعالم العربي.
السؤال لم يعد حول أهمية الصومال، بل حول مدى استعداد المنطقة للعمل وفق هذا الواقع قبل أن يستغله الآخرون.
علي محمد عمر
وزير الدولة للشؤون الخارجية والتعاون الدولي في جمهورية الصومال الفيدرالية
المزيد للقراءة
Share

