عبقرية الشهيد زكريا محمود عيسى (1976–2017)

المزيد للقراءة

عبقرية الشهيد زكريا محمود عيسى (1976–2017)

قال الدكتور والدبلوماسي عبد الفتاح نور أشكر، أحد تلاميذه: “كان حب اللغة العربية يجري في دمائه، وكانت رسالة التعليم هدفه السامي في الحياة. درّسني في صغري، وربّاني وصنع جيلاً كاملاً من محبي اللغة العربية، وأخبرني أسرار العربية وفتح لي آفاق علوم الأدب والبلاغة، وحفّظني ديوان الإمام الشافعي، وعرّفني على أمهات كتب الأدب العربي، وكان لذلك أثر كبير في مسيرتي العلمية.”

بهذه الشهادة الصادقة، تنكشف ملامح شخصية استثنائية، اجتمع فيها صفاء العالم، وحكمة المربي، وعزيمة القائد. لقد كان الشهيد زكريا محمود عيسى نموذجًا نادرًا لرجلٍ وهب حياته للعلم، وجعل من التعليم رسالة، ومن الكلمة نورًا، ومن الفكر سبيلًا للإصلاح.

وُلد عام 1976م في مدينة قرضو بمحافظة كركار، في بيئة علمية أصيلة، فتشرّب حب المعرفة منذ نعومة أظفاره، ونشأ على تقدير العلم وأهله. تلقى تعليمه في معهد الأزهر الشريف بقرضو، حيث تفتحت مداركه على علوم الشريعة واللغة العربية، فجمع بين عمق التراث ووعي العصر.

ولم ينتظر طويلًا حتى يبدأ عطاؤه؛ إذ انخرط مبكرًا في ميدان التعليم، فعمل مدرسًا ومديرًا في معهد الأزهر الشريف بين عامي 1994 و1996م، مظهرًا كفاءة لافتة وروحًا قيادية مبكرة. ثم انتقل إلى بوصاصو عام 1997م، ليواصل رسالته مدرسًا للغة العربية في مدرسة الإمام النووي، حيث برزت موهبته الأدبية، وظهر شغفه العميق باللغة العربية، حفظًا وتذوقًا وتدريسًا.

كان واسع الاطلاع، نهل من أمهات كتب الأدب العربي، فقرأ للمنفلوطي العبرات والنظرات، وتأمل العقد الفريد، واستمتع بـحي القلم، وغاص في مقامات الحريري، واطلع على فقه اللغة وسر العربية، وحفظ من الشعر ما جعله حيّ اللسان، عذب البيان. وكان لذلك أثر بالغ في دروسه، التي تحولت إلى مجالس علم وأدب، تشد العقول وتؤنس الأرواح.

وفي عام 1998م، انضم إلى المنتدى الإسلامي التعليمي، حيث تولى منصب نائب المدير العام، وأسهم في إعداد جيل واعٍ ومثقف. ثم خطا خطوة رائدة بتأسيس مدرسة الإمام النووي في قرضو عام 2002م، التي سرعان ما أصبحت منارة علمية يقصدها الطلاب. ولم يتوقف عطاؤه عند ذلك، بل تولى إدارة مدارس الإمام النووي في بوصاصو، فحقق نقلة نوعية في الأداء التربوي والإداري.

وبروح الباحث عن آفاق أوسع، خاض تجربة العمل التجاري في شرق إفريقيا، متنقلًا بين كينيا وإثيوبيا، قبل أن يعود عام 2010م إلى مسقط رأسه، ليسهم في تأسيس جامعة شرق الصومال، التي انضمت لاحقًا إلى جامعة شرق إفريقيا، في إنجاز يعكس رؤيته البعيدة وإيمانه العميق بدور التعليم في نهضة المجتمعات.

وفي عام 2013م، انتقل إلى مقديشو، حيث التحق بالعمل الحكومي، وأسهم في تعزيز العلاقات الصومالية العربية، فكان صوتًا عاقلًا، وجسرًا للتواصل مع عدد من الدول. ثم عُيّن مستشارًا في وزارة العدل والشؤون الدستورية عام 2017م، وظل يؤدي واجبه بإخلاص حتى لحظة استشهاده.

وفي أكتوبر من العام نفسه، ارتقى شهيدًا إثر تفجير مروع استهدف الأبرياء في مقديشو، فكان رحيله فاجعة هزت القلوب، وأوجعت النفوس. عمّ الحزن، وارتفعت الدموع، وخيّم الصمت الثقيل على كل من عرفه أو سمع به. لم يكن مجرد رجل يُفقد، بل كان مشروع أمة في جسد إنسان.

وقد أجمع من عرفوه على عظيم أثره؛ فقال الباحث محمد عمر أحمد قاضي المحكمة العليا في الصومال: “كان شعلة تتوقد ذكاءً، محبًا للعلم وأهله، عادلًا في مواقفه، شجاعًا في قراراته.” وقال أحمد الشيخ عيسى فارح: “كان قياديًا بالفطرة، ومخططًا استراتيجيًا بارعًا.” ووصفه الأستاذ أحمد عبد الرحمن “دارع” بأنه كان حليمًا حازمًا، مخلصًا لوطنه، رحيمًا بالناس. أما الشاعر فارح بينن بوص، فاختصر المسافات كلها بقوله: “إنه أستاذ الأساتذة.”

لقد رحل الجسد، لكن الأثر باقٍ، والذكرى حية، والعطاء ممتد في كل طالب علمٍ تتلمذ على يديه، وفي كل فكرة زرعها، وفي كل قيمة غرسها. رحم الله الشهيد زكريا محمود عيسى رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجعل سيرته نورًا يهتدي به السائرون، وذكرى خالدة في سجل العطاء والوفاء.

محمود على آدم هوري

Share

اقرأ هذا أيضًا