رحيل الشيخ مريدي الحاج صوفي.. سيرة عالمٍ حمل مشعل التفسير والدعوة في الصومال

المزيد للقراءة

في أجواءٍ يخيّم عليها الحزن، ودّعت الأوساط العلمية والدعوية في الصومال يوم الخميس 9 أبريل 2026، أحد أبرز رموزها، الشيخ مريدي الحاج صوفي، الذي وافته المنية في العاصمة مقديشو، بعد مسيرة طويلة حافلة بالعطاء في مجالي التفسير والتربية الإسلامية. ويُعدّ رحيله خسارة كبيرة للساحة الدعوية، بالنظر إلى ما مثّله من ثقل علمي ودور تربوي امتد لعقود.

تلميذ مدرسة الصحوة الأولى

ينتمي الشيخ مريدي إلى الجيل الأول للصحوة الإسلامية في الصومال، وقد تشرّب منهجها العلمي على يد الشيخ محمد معلم حسن، أحد رواد الدعوة في البلاد. ومنذ بداياته، عُرف الشيخ بحرصه على نقل علم أستاذه، لا سيما في تفسير القرآن الكريم، حيث كان يعيد تقديم الدروس بأسلوب واضح وسلس، يُقرّب المعاني إلى الأذهان، ويجعلها في متناول العامة، خصوصًا الشباب الذين وجدوا في دروسه ملاذًا للفهم والتوجيه.

منابر التفسير.. صوتٌ لا ينقطع

برز نجم الشيخ مريدي خلال سبعينيات القرن الماضي، مع تصاعد النشاط الدعوي، حيث كان من المؤسسين لـ“حركة الأهل الإسلامية” عام 1972، وهي إحدى أبرز الحركات التي أسهمت في نشر الوعي الديني آنذاك. وبعد اعتقال شيخه وتوقف دروسه، لم تتوقف المسيرة، بل تولّى الشيخ مريدي مسؤولية مواصلة الطريق، فاعتلى منبر مسجد “أربع ركن” في مقديشو، مقدّمًا دروس التفسير التي سرعان ما استقطبت أعدادًا كبيرة من الحضور، مؤكدة حضوره العلمي وتأثيره المتنامي.

مواجهة الفكر المتشدد بمنهج وسطي

مع التحولات الفكرية التي شهدها المجتمع الصومالي في أواخر السبعينيات، برز دور الشيخ مريدي كأحد الأصوات الداعية إلى الاعتدال. فقد شارك في تأسيس “الجماعة الإسلامية” عام 1979، في مرحلة اتسمت بظهور بعض التيارات المتشددة، حيث أسهم مع عدد من العلماء في تصحيح المفاهيم، وترسيخ منهج وسطي يقوم على الفهم المتوازن للنصوص الشرعية. وكان لجهوده أثر واضح في توجيه شريحة واسعة من الشباب بعيدًا عن الغلو والتطرف.

العلم والتعليم.. رسالة لا تتوقف

لم يقتصر عطاء الشيخ على دروس التفسير، بل امتد إلى تدريس علوم اللغة العربية، مثل النحو والصرف، في عدد من مساجد مقديشو، أبرزها مسجد مرواس في حي حمروين. وقد عُرف بأسلوبه التربوي الذي يجمع بين التبسيط والعمق، ما جعله قريبًا من طلابه ومؤثرًا في مسيرتهم العلمية. واستمر هذا العطاء حتى انهيار الدولة المركزية عام 1991، وهي المرحلة التي شهدت تحديات كبيرة أثّرت على مختلف مؤسسات التعليم والدعوة.

رحلة دعوية عابرة للحدود

رغم الظروف الصعبة التي مرت بها البلاد، واصل الشيخ مريدي أداء رسالته، متنقّلًا بين مقديشو ونيروبي ومومباسا. وفي العاصمة الكينية، خاصة في حي إيسلي، واصل إلقاء الدروس والخطب، مستهدفًا الجالية الصومالية، ومؤكدًا أن الدعوة لا ترتبط بمكان، بل برسالة مستمرة. كما خلّف تسجيلات علمية في تفسير القرآن الكريم، لا تزال متداولة عبر المنصات الرقمية، وتشهد على عمق علمه واستمرارية أثره.

مربٍ للأجيال قبل أن يكون معلّمًا

تميّز الشيخ مريدي بمكانة خاصة لدى شباب الصحوة الإسلامية، إذ لم يكن دوره مقتصرًا على التعليم، بل تجاوزه إلى الإرشاد والتربية. فقد أسهم في بناء وعي ديني متوازن لدى أجيال متعاقبة، وغرس فيهم قيم الاعتدال والانضباط العلمي. ويستحضر كثير من طلابه مواقفه التربوية ونصائحه التي تركت أثرًا عميقًا في حياتهم.

إرث علمي باقٍ وتأثير ممتد

برحيل الشيخ، تفقد الساحة الدعوية أحد أعمدتها الذين ساهموا في ترسيخ منهج التفسير وتعليم القرآن الكريم في الصومال. غير أن إرثه العلمي، المتمثل في دروسه وتسجيلاته وتلاميذه، سيظل حاضرًا، يواصل أداء رسالته في نشر العلم، وتوجيه الأجيال القادمة.

وداعٌ يليق بعالمٍ كبير

وقد عبّر عدد من العلماء والدعاة وطلبة العلم عن حزنهم العميق لرحيله، مستذكرين سيرته الحافلة بالعطاء، ومواقفه في خدمة الدين والمجتمع. كما توافدت التعازي من مختلف الأوساط، في تأكيدٍ على المكانة التي حظي بها في قلوب الناس.

رحم الله الشيخ مريدي الحاج صوفي، وجعل ما قدّمه من علمٍ في ميزان حسناته، وألهم أهله ومحبيه الصبر والسلوان. وبرحيله، تطوى صفحة من صفحات الدعوة المضيئة، لكن أثرها سيبقى حيًا في نفوس من تتلمذوا على يديه، وفي كل مجلس علمٍ امتدّ بنوره من بعده.

إعداد: الشيخ موسى أحمد عيسى

Share

اقرأ هذا أيضًا