في منتصف الثمانينيات، شاب درب النضال في #الصومال_الغربي غموضٌ كاد أن يحجب الرؤية عن مستقبل المقاومة. كانت الحركات التحررية في الإقليم تلفظ أنفاسها الأخيرة؛ فجبهة تحرير الصومال الغربي توشك على الأفول، بينما كانت الجبهة الوطنية لتحرير أوغادين Ogaden National Liberation Front ، التي حملت لواء الجهاد فيما بعد، تمرّ بمرحلة النشأة والتكوين.
وإلى جانب ذلك، عقّدت التفاهمات بين الرئيسين منغستو وسياد برّي عشية إعلان الهيئة الحكومية للتنمية «إيغاد» في #جيبوتي، الوضع، وجعلته على كفّ عفريت.
كان اللقاء، الذي يُعدّ الأول من نوعه بين البلدين منذ اندلاع حرب أوغادين، حذرا؛ إذ ناقش فيه الجانبان إمكانية إعادة العلاقات الدبلوماسية بعد أحد عشر عاما من القطيعة، ومسألة ترسيم الحدود (كان مطلبا إثيوبيا)، ووقف الدعاية العدائية، وعدم دعم الحركات المسلحة والخصوم السياسيين، إلى جانب تبادل الأسرى.
ورغم أن اللقاءات التي استمرت على المستوى الوزاري في السنوات اللاحقة، بشكل غير منتظم، لم تُفض إلى نتائج تُذكر، فإنها عُدّت -في نظر الحركات الوطنية في أوغادين- تنازلا عن الثوابت وخيانة لمبادئ النضال وتحرير الأرض.
غير أنّ الحكومة الصومالية كانت تمرّ بمرحلة عصيبة من كل النواحي؛ فإلى جانب إرهاصات الحروب الأهلية التي حوّلت البلاد إلى رماد، كان اقتصاد الدولة منهارا ويعتمد على المساعدات الخارجية، فيما كانت الجمهورية تغلي على وقع سخط شعبي متصاعد.
لقد كانت #حرب_أوغادين مكلفة على الأمة الصومالية برمّتها؛ فمن جهة قادت إلى كساد اقتصادي، وشرخ مجتمعي، وتمرد عسكري أسهم في تقويض الدولة التي كانت مكمن عزّتهم وشرفهم، وحضنا دافئا لكل الصوماليين.
ومن جهة أخرى، حوّلت قضية الإقليم في أعين العالم إلى مجرد نزاع حدودي بين دولتين جارتين، يُضاف إلى سلسلة الأزمات الإفريقية المرتبطة بما يُعرف بـ«تجزئة ما بعد الاستعمار»، فكاد الحق أن يضيع في خطوط وهمية رسمها الاستعمار في غرف مغلقة بأوروبا، دون اعتبار لرغبات الشعوب أو لخرائطها الاجتماعية. غير أنّ هذا الحق لم يضع في عيون أبنائه الذين قدّموا الغالي والنفيس مهرا للحرية.
ورغم ذلك، فإنّ الضرر كان قد وقع؛ إذ لم يَعُد الإقليم يحظى بعد تلك المرحلة بالزخم الإعلامي ولا بالاهتمام الذي كان يجده من الحركات التحررية، ولا من التحالفات الدولية، ولا من أروقة المجالس السياسية.
فقد أُعيد تصنيفه بعد حرب 1977 وما تلاها من تحوّلات بوصفه إقليما متمرّدا يقطنه عدة ملايين يُخشى أن يشعلوا شرارة الانقسام ويُطلقوا تأثير الدومينو داخل دولة إفريقية محورية، بعدما كان يُنظر إليه سابقا باعتباره قضية تحرّر قومي ذات امتداد تاريخي وجذور سياسية واضحة.
#مسامير_الذاكرة
الأستاذ حسن محمود قرني

