بنية الشخصية الرعوية وأثرها في امتثال القانون: تفكيك لظاهرة الفساد في السياق الصومالي

المزيد للقراءة

بنية الشخصية الرعوية وأثرها في امتثال القانون: تفكيك لظاهرة الفساد في السياق الصومالي

تلقيتُ باهتمامٍ كبير الملاحظات النقدية التي وُجِّهت إلى المقال السابق، وقد تمحورت حول نقطتين أساسيتين:
الأولى: أن المجتمع الصومالي ليس مجتمعاً رعوياً خالصاً، بل يضم إلى جانب البنية البدوية مجتمعاتٍ حضرية وزراعية وحرفية متنوعة.

والثانية: أن تفسير ضعف الامتثال للقانون من خلال العامل الرعوي وحده يُعد اختزالاً لظاهرة مركبة تتداخل فيها عوامل سياسية واقتصادية ودينية وتربوية ومؤسسية.

وهاتان الملاحظتان في الجملة صحيحتان من حيث الأصل، غير أن التحليل العلمي يقتضي أحياناً عزل بعض المتغيرات لفهم أثرها بصورة أعمق، دون ادعاء أنها العامل الوحيد أو الحاسم في تفسير الظاهرة.

أولاً: تحديد نطاق التحليل
ينصب هذا الطرح أساساً على دراسة أثر البنية الرعوية البدوية بوصفها المكوّن الثقافي الأكثر حضوراً في التكوين التاريخي للشخصية الصومالية، لا باعتبارها المكوّن الوحيد للمجتمع. فالثقافة الرعوية، بما تحمله من قيم وأنماط عيش وعلاقات اجتماعية، تركت أثراً ممتداً في الوعي الجمعي وفي طرائق التعامل مع السلطة والنظام والقانون، حتى لدى قطاعات انتقلت لاحقاً إلى الحياة الحضرية.
ومن الناحية المنهجية، فإن التركيز هنا ليس على أدوات الردع القانوني أو على البعد القيمي والإيماني، وإنما على الجانب النفسي والاجتماعي المتولد عن البيئة السوسيو-اقتصادية الرعوية، وما يترتب عليه من أنماط سلوكية تتصل بمفهوم الالتزام والانضباط المؤسسي.

ثانياً: الفساد بوصفه ظاهرة ثقافية-نفسية
إن الدافع الرئيس لهذا التحليل هو ملاحظة ظاهرة متكررة في الواقع الصومالي، تتمثل في انتشار أنماط من السلوك الإفسادي، مثل الرشوة والمحسوبية والالتفاف على الإجراءات والبحث المستمر عن الاستثناءات الشخصية. وهذه الممارسات لا تبدو مجرد مخالفات فردية عابرة، بل تكشف عن بنية ذهنية أعمق تشكلت عبر سياقات تاريخية وثقافية ممتدة.
ومن أبرز ملامح هذه البنية:
1. ضعف الصبر الحضاري
إذ يجد الفرد صعوبة في التكيف مع منطق الدولة الحديثة القائم على التدرج والإجراءات والانتظار واحترام التسلسل النظامي. فالذهنية الرعوية، بحكم تشكلها في بيئة تقوم على الحركة السريعة وتلبية الحاجات الآنية، تميل إلى تغليب المكسب القريب على الاعتبارات المستقبلية ومآلات الأفعال.

2. النفور من القيود النظامية
تنظر الشخصية المتأثرة بالبيئة البدوية إلى القوانين واللوائح باعتبارها قيوداً تحد من الحرية الفردية، لا باعتبارها إطاراً منظماً للمصلحة العامة. ومن ثم يظهر ميل دائم إلى تجاوز الإجراءات، والبحث عن الطرق الالتفافية، واختبار حدود النظام وإمكانية اختراقه.

3. توقع الاستثناء الشخصي
ومن السمات اللافتة أيضاً افتراض قابلية القانون للمساومة، وأن العلاقات الشخصية أو القرابة أو الوساطات قادرة على تعطيل النصوص أو إعادة تفسيرها. ولذلك يتعامل كثيرون مع المؤسسات لا بوصفها كيانات محايدة، بل باعتبارها فضاءات يمكن تطويعها عبر النفوذ الاجتماعي أو العاطفي.

ثالثاً: الشرعنة الثقافية للتحايل
ولا تقف هذه النزعة عند حدود الممارسة العملية، بل تجد أحياناً ما يدعمها في الوعي الشعبي والأمثال المتداولة، التي تُضفي نوعاً من الشرعية الثقافية على التحايل والتلاعب.
ومن الأمثلة الدالة على ذلك المقولة الشائعة:
«إن من يحبك لا يعدم لك من المنهاج مخرجاً»،Nin ku jecel minhaaj qiil kaagama waayo
وهي إشارة ساخرة إلى كتاب منهاج الطالبين للإمام يحيى بن شرف النووي، ويُراد بها الإيحاء بإمكانية إيجاد مخارج فقهية أو قانونية تُلبّي الأهواء والرغبات الخاصة ولو بتأويلات متكلفة.
كما تعبّر عن ذلك الحكاية الشعبية المرتبطة بالمثل القائل:
«يجوز وضع العصا أفقياً كما يجوز وضعها رأسياً».
” La jiifiyaana bannaan la joojiyaana bannaan”
وتدور قصته حول حاكم قضى في نزاعٍ بين رجلين بأن يدفع صاحب البقر تعويضاً يملأ طول عصاه المغروزة رأسياً في الأرض. ثم لما وقع الضرر نفسه من بقره هو، جعل العصا أفقية لتقليل مقدار التعويض. فلما استُنكر تناقضه قال: «يجوز وضعها أفقياً كما يجوز وضعها رأسياً».
ومغزى الحكاية لا يكمن في الواقعة ذاتها، بل في ما تعكسه من قابلية نفسية لتطويع العدالة تبعاً للمصلحة، والنظر إلى النصوص والمعايير باعتبارها أدوات مرنة قابلة لإعادة التفسير وفق مقتضى المنفعة الآنية.

رابعاً: غياب السلطة التربوية للنظام
لقد تشكلت هذه الذهنية في سياقات تاريخية لم تعرف حضوراً مستقراً لدولة مركزية قوية تفرض النظام بصورة مستمرة، وتُخضع الجميع لسلطة القانون دون استثناء. وفي ظل هذا الغياب الطويل ترسخت الحلول البراغماتية، وضعف الشعور بقدسية النظام العام، وأصبحت كثير من الحقوق والأضرار قابلة للتفاوض والمساومة الاجتماعية.

ومن هنا نشأ ميلٌ إلى تغليب الانتماء العشائري والروابط القبلية على فكرة المواطنة المجردة، وإلى التعامل مع العقوبات والتعويضات بوصفها شأناً جماعياً تفاوضياً أكثر من كونها التزاماً قانونياً مجرداً.

خامساً: نحو مقاربة إصلاحية واقعية
ومع ذلك، فإن الحديث عن أثر البنية الرعوية لا يعني التسليم بحتمية ثقافية ثابتة، ولا الادعاء بأن الشخصية الصومالية عاجزة بطبيعتها عن احترام القانون؛ فالشعوب تتغير، والثقافات قابلة لإعادة التشكيل عبر التربية والمؤسسات والسياسات العامة.

غير أن أي مشروع إصلاحي جاد لا بد أن يأخذ هذا البعد النفسي-الثقافي بعين الاعتبار، سواء في التشريع أو في إنفاذ القانون أو في بناء المناهج التعليمية. فترسيخ احترام النظام لا يتحقق بالعقوبات وحدها، بل يحتاج أيضاً إلى إعادة بناء الوعي الجمعي على قيم الانضباط، والنظر في العواقب، وتقديم المصلحة العامة على النزوات الفردية والولاءات الضيقة.

الخلاصة
إن أزمة الفساد وضعف الامتثال القانوني في السياق الصومالي لا يمكن تفسيرها فقط بضعف المؤسسات أو غياب العقوبة، كما لا يمكن اختزالها في العامل الاقتصادي أو السياسي وحده. فثمة بعد نفسي وثقافي عميق أسهمت البيئة الرعوية في تشكيله، يتمثل في مقاومة القيود النظامية، والنظر إلى الالتفاف على القانون بوصفه مهارة اجتماعية لا سلوكاً مداناً.
ومن ثم، فإن بناء دولة القانون في الصومال لا يقتضي إصلاح المؤسسات فحسب، بل يتطلب أيضاً مشروعاً تربوياً وثقافياً طويل المدى يعيد تشكيل العلاقة بين الفرد والنظام، وبين الحرية والمسؤولية، وبين المصلحة الخاصة والصالح العام

Share

اقرأ هذا أيضًا