الحرب على إيران: بين وقار النفس الطويل ونزق الحسم السّريع.
علّمتنا حرب إيران أنّ الأمم إذا اختارت الصمود والمقاومة حتى النهاية، فلن تكسر إرادتها قوة مهما كانت متفوقة في العدة والسلاح. ترمب دخل الحرب بثقافة الكابوي واستراتيجية الحسم السريع، وإيران دخلتها بثقافة المقاومة واستراتيجية النفس الطويل، فغلبت روح المقاومة مغامرة الكابوية، وهزم وقار النفس الطويل نزق الحسم السريع. رفع ترمب أمام إيران الاستسلام غير المشروط، فرفعوا في وجهه الصمود غير المحدود، وبسبب هذا الصمود غير المحدود تمكنوا من استيعاب ضربات العدوّ، وغيّروا موازين القوة، وفرضوا شروطهم على الخصم.
ومن يقرأ بنود (مذكرة التفاهم) يدرك كيف غلب الفرس الروم في المنازلة وفي المفاوضة، يلبسون لكلّ معركة لباسها، فرسان في ميادين الحروب، دهاة عند طاولة المفاوضات. شنّوا عليها الحرب بادّعاء منعها من تطوير فنبلة نووية، فإذا هي قد طوّرت من مضيق هرمز قنبلة نووية أقوى من كلّ سلاح نووي، لأنّ السلاح النووي التقليدي لا يمكن استعماله عمليا إلا في حالات استثنائية نادرة، أماّ قنبلة هرمز فهي جاهزة للاستعمال صالحة للردع في جميع الاحوال والظروف، وتاثيرها أقوى من تاثير النووي التقليدي، فالنووي التقليدي يمكن أن يتسبب في اختناق الآلاف في بقعة جغرافية محددة، بينا نووي هرمز يتسبب في اختناق العالم كله دون أن يطلق صاروخا واحدا في اتجاه دولة واحدة، ومن غير أن يتسبب في قتل شخص واحد أو تدمير بنية واحدة. جنود الله كثر، وما يعلم جنود ربك إلا هو، ومنها جنده (هرمز) في هذا السياق، ويروى أنّ معاوية كان يرى العسل جندا من جنود الله، ولمّا بلغه موت الأشتر النخعيّ الذي ولّاه سيدنا عليّ -عليه السّلام – مصر قال : “إن لله لجنودا من عسل”! وهكذا الإيرانيون وضعوا (هرمز) في طاولة المفاوضات، وحصدوا به تنازلات كبيرة ما كانوا ليحملوها من قبل.
ولكن – والحقّ يقال – فلا الهرمز ولا المسيّرات ولا الصواريخ البالستية كنت تعمل عملها، لولا رجال أشدّاء يقفون وراءها، رجال متمرّسون في خوض الحروب ومنازلة الأقران؛ فإعداد العدة -لا محالة-من لوازم الاستعداد للحرب، ولكن العدة وحدها ليست كافية ما لم تكن في يدي بطل، على ما فال صديقنا الطغرائي:
وعادة النصل أن يُزْهَى بجوهره … وليس يعمل إلاَ في يدي بطل
كانت إيران قبل الحرب تفاوض الأمريكان بورقة البرنامج النووي واليورانيوم المخصّب، فإذا هي بعد الحرب تفاجئ العدو باستخراج ورقة (هرمز) تحت نقع المعركة وعجاج الصواريخ، وأزيز المسيّرات، وكأنها استدرجت الخصم لبدء الضربة الاولى، ثم ألقت عليه عصا هرمز، فاذا هي تلقف كل ما خططوا ودبروا.
علّمتنا حرب إيران فيما علّمتنا أنّ الشعوب إذا أرادت الحياة استرخصت نفسها وأموالها في سبيل كرامتها وعزتها وحريتها، فنالت ما أرادت، وظفرت ببغيتها، واستسهلت كل صعب، ومن يخطب الحسناء يصبر على البذل.
وأهمّ درس من ذلك كله أنّ هذه الحرب أعادت لأمّتنا ثقتها بنفسها، في وقت بدأت تتضعضع هذه الثقة في نفوس الأمة التي تراكمت عليها الازمات، وتسلّط عليها الطغاة، وتداعي عليها شذاذ الآفاق، واجتمع فيها استبداد الداخل ومكر الخارج، حتى يئس كثير منهم من روح الله، فانقادوا لمشاريع التبعية، وكادت تموت في انفسهم روح المقاومة والصمود، وفي هذا الصمود الإيراني في وجه الغطرسة الأمريكية والعربدة الإسرائيلية، وقبله صمود أهل غزة، ومن لفّ لفهم من جبهات المقاومة، في ذلك كله بعث للأمة، ونفخ في روحها، وانتهاض من كبوتها، وتبديد لروح اليأس من التغيير ، واستعادة الأمل في اهمية المقاومة والصمود.
إن هده الهجمة الصهيو-الأمريكية لم تكن لإسقاط النظام الإيراني فحسب – كما صرّح به مخططوها – وإنما كان هدفها الأسمى إسقاط المنطقة كلّها تحت هيمنة الاحتلال الإسرائيلي، وتحقيق حلمها الكبير في إنشاء إسرائيل الكبرى. وما كان المسؤولون الإسرائيليون يخفون خطتهم في التخلص من التحالف السني الذي يتشكل من (باكستان والسعودية وتركيا) بعد انتهائها من محو محور المقاومة الشيعيّ من الخريطة، ولكن ذلك كله تحطّم في صخرة الصمود الإيراني.
أظهرت هذه الحرب أن التهديد الصهيو- الأمريكي لا يقتصر على دولة في المنطقة دون أخرى، وإنما هو تهديد شامل لكل دول المنطقة كما بيّنّا آنفا، ونرجو أن تكون هذه الحرب بداية لمصالحة إقليمية جدية بين دول المنطقة (العرب وإيران وتركيا وباكستان) مصالحة قائمة على المصارحة والحوار الهادي ؛ لتبديد الشكوك المتبادلة بينها، وخلق أجواء من حسن النية، تمهّد للتقارب والوصول إلى تفاهمات للمصالح المشتركة، وتوحيد الجهود لمواجهة التهديد الخارجي الذي يستهدف المنطقة كلّها.
عبدالواحد عبدالله شافعي.

