من ذكريات الماضي: البيوت القديمة في أيام الخير
من أسباب الراحة النفسية أن يكون للإنسان بيتٌ واسع، تحيط به الأشجار وظلالها، وتعيش في أرجائه الحيوانات الداجنة، وتجاوره مزرعة صغيرة للخضروات والفواكه والأزهار. وتُربّى في تلك المزرعة الدجاج، وتأتي منه أصوات الطيور، وصياح الديك الذي يعلن بداية النهار، فتبدأ الحياة بإيقاع هادئ يشبه الفطرة. فيقول الناس صباحًا: الصباح رباح، يا الفتاح يا رزاق. وتغدو الطيور من أعشاشها، وتُطلق الأغنام من زريبتها خارج البيت، ويخرج الدجاج من أقفاصه.
يكون البيت قريبًا من الأرض، يشعر الإنسان فيه بقربه من الطبيعة. سقفه مرتفع، وفناؤه واسع، وفتحات التهوية فيه كثيرة، وجدرانه مطلية بألوان قريبة من الروح، وأثاثه قريب من الأرض، يبعث السرور في القلب قبل العين.
في قلب البيت فناءٌ مفتوح على السماء؛ ترى النجوم ليلًا، وتجلس في ظل الأشجار نهارًا. غرفه فسيحة، ونوافذه كبيرة يدخل منها الهواء والضوء، وفي فنائه مكان للوضوء، ومجلس لاستقبال الضيوف، وموضع للقيلولة في الأيام الحارة.
وكان للبيوت القديمة فناءٌ تُزرع فيه أشجار السدر، فتُجفف أوراقها تحت الشمس، ثم تُطحن وتُستعمل لغسل الرأس صباح يوم الجمعة، فتنظف فروة الرأس وتمنح الشعر نظافة وانتعاشًا، وتُعرف بقدرتها على تهدئة الأعصاب.
وتُزرع في البيت شجرة المورينجا، وهي شجرة تكاد جميع أجزائها نافعة، وأوراقها غنية بالعناصر الغذائية. وتُزرع فيه أيضًا أشجار الرمان، والتمر الهندي، والعنب، وما أحلى ثمارها حين تُقطف بيدك وأنت في بيتك. كما تُزرع الأزهار والورود فتتسلق الجدران وتتدلى أغصانها، فيراها المارّة فتسعد الغريب العابر والقريب الزائر.
وكانت الأشجار المحيطة بالبيت تخفف حرارة الجو، وتقلل الغبار، وتحسن جودة الهواء، بينما تُرش أرض الفناء بالماء في الصيف، فيهدأ الغبار وتنخفض الحرارة، وتفوح رائحة التراب المبلل، تلك الرائحة التي تختزن الطفولة في الذاكرة.
وكان في البيت حوشٌ جانبي مخصص لتحضير الولائم وطعام الضيافة، منعزل نسبيًا عن الفناء، حيث تجتمع سيدات البيت ونساء الحي لإعداد الطعام. ويُدعى إلى الوليمة شيوخ القرآن (الدكسي)، والأعمام والأخوال، وأئمة ومؤذنو المسجد، وكبار السن من الأقارب والجيران، فيقرؤون القرآن كاملًا ويدعون لأهل البيت دعاءً جميلًا بالصومالية.
وكان المطبخ منفصلًا عن غرف النوم، أو ملاصقًا لها من الخارج، حتى لا يتسلل دخان الحطب وروائح الطبخ إلى داخل البيت. وكان سقفه أعلى قليلًا، وفي أعلاه فتحات يخرج منها الدخان، وتتسلل منها أشعة الشمس على هيئة خيوط من النور، فتظهر فيها ذرات الهباء كأنها نجوم معلقة في الهواء. وكان الموقد من الحطب أو الفحم، فتختلط رائحة الحطب المحترق برائحة العنجيرو والرغيف الصومالي والملوح، ورائحة القدور والشاي، فيبقى للمطبخ عبقٌ لا يشبه مطابخ اليوم.
وكان البيت يُعرف أهله من رائحته؛ ففي الصباح تفوح رائحة القهوة أو الشاي من المطبخ، ثم رائحة الخبز والطعام، وقبيل المغرب أو بعده يُشعل المبخر، فيتصاعد دخان اللبان أو العود أو الصمغ العطري، ويلتف في أركان البيت ويتشبث بالثياب والستائر والشعر. وكانت الملابس تُعطّر بالمسك والعنبر والورد، أما الفرش والحُصر فكانت تُعرض للشمس والهواء فتحتفظ برائحة النظافة والشمس.
وكان المطبخ في الصباح مصدر صوت المذياع، حيث تنبعث تلاوة القرآن الكريم من إذاعة القرآن الكريم من المملكة العربية السعودية، فتملأ أصوات القراء أرجاء البيت مع رائحة القهوة والخبز.
وكان الماء يُحفظ في جرار الفخار فيبقى باردًا بطبيعته، ويُشرب أحيانًا في كؤوس من النحاس. وفي البيت أوانٍ خشبية لطحن الحبوب والتوابل، وكثير من الأدوات المنزلية كان يُصنع من الخشب. وكانت هناك سلة من الخشب توضع فيها ملابس المولود الجديد، وتُبخر قليلًا فتفوح منها رائحة البخور.
وكان كبار السن يضعون الحناء يوم الجمعة على الشعر، ويبدأ الصباح بالعناية بتربة المزرعة وتقليبها وإضافة السماد العضوي إليها. وكانت الأسرة تجتمع على مائدة واحدة، ويتعرض الجميع لشمس الصباح، فتبدأ الحياة بهدوء ونشاط.
وكان إلى جوار البيت مبنى صغير للمواشي، تأكل فيه العلف وتبيت فيه ليلًا وتُحلب بقربه. وكان راعي الغنم يجمع أغنام الحي كل صباح ويسوقها إلى المراعي، ثم يعيدها بعد غروب الشمس، فتحلبها الأمهات والأخوات للأطفال، ويمتزج لبنها بالشاي، وكان اللبن حاضرًا على موائد الصباح والمساء.
وكان باب البيت يقابل بيوت الجيران، فتقوم بينهم علاقة المودة والعيش والملح والرغيف. وكانت البيوت تجمع الناس، ويعرف الإنسان جيرانه ويتزاورون ويتفقد بعضهم بعضًا.
وكان للبيت مرزابٌ يتدفق منه ماء المطر، وأبواب واسعة، ومكان أمام المنزل يجلس فيه الناس. وبعد المغرب، يجلس الناس أمام البيوت على الحصير يحتسون الشاي ويتبادلون الأحاديث، بينما يلعب أطفال الحي في الساحات القريبة وتعلو ضحكاتهم، ويعود الرجال من السوق بعد صلاة العشاء.
وكانت هناك أصوات لا تغادر الذاكرة: صياح الديك، وهديل الحمام، وحفيف الأشجار، وارتطام دلو البئر بالماء، وخرير المطر في المرزاب، وصوت المكنسة المصنوعة من سعف النخيل، وأذان الفجر في الهواء الهادئ، ورذاذ المطر على السقف.
وكانت النوافذ تدخل منها نسمات الفجر، وتحمل معها رائحة الأرض أو الأشجار أو البحر إن كان قريبًا، وتُسمع منها أصوات الحياة قبل أن تُرى الناس. وكانت الأحذية تُترك عند الباب، والحبال تمتد بين الجدران لتعليق الملابس، والأبواب تبقى مفتوحة معظم النهار.
وكان الأطفال ينامون صيفًا في الفناء ينظرون إلى السماء حتى يغلبهم النعاس، ثم يستيقظون على زقزقة العصافير وصياح الديكة.
وإذا خلد الأطفال إلى النوم في فناء البيت، حملتهم الأم بين يديها إلى غرف النوم وهم نيام، فيستيقظون في صباح اليوم التالي على أسِرّتهم.
كان الإنسان يعيش مع الطبيعة داخل بيته؛ يرى النجوم ليلًا، ويجلس في ظل الأشجار نهارًا، ويشم رائحة التراب بعد المطر، ويستنشق عبق الأزهار، ويربي الحيوانات، فيشعر أن البيت ليس جدرانًا وسقفًا فقط، بل قطعة من الأرض وامتدادًا للطبيعة وموطنًا للسكينة.
وكان للصباح أصواته التي لا تُنسى؛ قبل أن تشرق الشمس كان المذياع يصدح بتلاوة القرآن الكريم، فتملأ أصوات القراء البيت. وكانت تلاوات الشيخ محمد أيوب، وعبدالله خياط، وعبدالودود حنيف وغيرهم ترافقنا صباحًا ومساءً.
وفي الضحى كنا نستمع إلى الشيخ علي جابر، وسعود الشريم، وعبدالرحمن السديس، وعبدالرشيد صوفي، ومحمود خليل الحصري.
ولا تزال إذاعة القرآن الكريم من المملكة العربية السعودية حاضرة في الذاكرة، ثم عند السابعة صباحًا يجلس الكبار حول المذياع ينتظرون نشرة الأخبار باللغة الصومالية من إذاعة BBC، يتابعون أخبار العالم، ثم ينطلق كل واحد إلى عمله.
وكان يوم الجمعة له طقوسه الخاصة؛ تُطحن الحناء وتوضع على رؤوس الكبار، وتبدأ النساء في إعداد الولائم، ويستمع الناس إلى صوت قادم من المسجد، إنه صوت الشيخ المنشاوي يتلو القرآن، ويردد الأطفال خلفه في حلقات التحفيظ، فيمتزج صوت التلاوة برائحة الطعام والبخور.
وكان إعداد القهوة طقسًا يوميًا؛ تُحمص الحبوب على النار ثم تُطحن في الهاون، فيُسمع صوتها المنتظم، وتفوح رائحة البن المحمص في الأرجاء. كما كانت الحبوب تُطحن في الرحى أو الأدوات الخشبية، فيبدأ الصباح بروائح زكية وأصوات لا تُنسى.
في مواسم الحج كان التلفاز يجمع الأسرة حوله لمتابعة الحجاج وهم يلبّون، وقد جاؤوا من بلدان وأعراق وألوان مختلفة، تتنوع أعمارهم وملامحهم، في مشهدٍ إنساني مهيب يجمعهم على كلمة واحدة ومقصد واحد، وفي رمضان كانت مشاهدة جائزة دبي الدولية للقرآن الكريم مشهدًا جميلًا يبهج الروح ويبعث السكينة في البيوت حيث تتنافس الأصوات العذبة في تلاوة كتاب الله، وكان الناس يتابعون بشوق أصوات الأذان وهو يصدح من الحرمين الشريفين، ومشاهد المصلين وهم يملؤون أروقة المسجد الحرام والمسجد النبوي في لحظات إيمانية مهيبة تغمر القلب بالصفاء والقرب والسكينة
عبدالرحمن راغي علي