شرّ البليّة ما يضحك !
أنا لا ألوم هذا الذي يباهل في كفر إمام من ائمة المسلمين فحسب، وإنّما يشتدّ لومي، ولا ينقضي عجبي من هؤلاء الذين قبلوا منه المباهلة، وأعانوه على هلاك نفسه ونسائه. وأين هم من قول الرسول عليه الصلاة والسلام (انصر أخاك ظالما أو مظلوما) فكان عليهم أن ينصروا أخاهم، ولو كان على باطل، ولا يكونوا له عونا على هوى نفسه. فكيف ينصرونه؟ يسكتون عنه، ويأخذون بيده، ويذهبون به إلى أقرب مصحة عقلية. فوالله، ما تباهل مسلمان إلا وكانا على شفرة من النّار. أو لم يكفنا ما نتعرّض له من القتل والسجن من الطغيان الداخلي، والتفجير والترهيب من جماعات الخوارج، والإبادة الجماعية والمجازر على يد قوى الاستكبار الخارجيّ، حتى نلجأ إلى المباهلة؛ للإجهاز على من نجا منّا ومن نسائنا وأبنائنا من القتل والإبادة ؟!
فالمجتمعات الواعية عندما يرتكب أحد ابنائها جرما، ينبيء عن خلل في العقل أو اضطراب في النفس، بعثته إلى المشافي؛ لفحص حالته الذهنية قبل أن تحيله إلى المحاكم لإصدار الأحكام الجنائية عليهم، غير أنّ المجتمعات تمرّ أحيانا بحالات من الاضطراب الجمعي والفتن العمياء يفقده اتّزانها؛ فإذا ارتكب أحدهم جرما، أو أتى بما يشي بخلل في النفس أو العقل، لم ينتبهوا إلى ما يحتاج اليه من العناية والرعاية، لأنّ الاضطراب النفسي قد صار ظاهرة اجتماعية عامة، وإنما يتفاوت النّاس في نوع هذا الاضطراب وقدره. إنّنا نعيش اليوم في عصور من الاضطرابات والفتن، تجعل الحليم حيرانا، وتهزّ وجدان المسلم هزّا، وتكاد تذهب بعقله واتّزانه.
وفي المباهلة استعجال حكم الله فيما اختلف فيه النّاس، وأجّل الفصل فيه إلى يوم الدين؛ فالمباهلة فيما ليس لك به علم، أو فيما استأثر الله سبحانه بعلمه، نوع من التعدي على حقوق الله، وعلى حدود الأدب مع الله. ولا أظنّ أنّ أحدا لديه مسكة من عقل أو دين أو إيمان يسلك هذا المسلك، ولو ترجّح لديه أنّ الحقّ معه. ومن ذا الذي يدّعي العلم اليقين بكفر شخص معين أو إيمانه، مهما عرف عنه من الصلاح أو الطلاح، إلا إذا اطّلع الغيب، أو اتخذ عند الرحمن عهدا؟!
وبعد، فليست هذه المباهلات التي نراها اليوم على هذه الصورة الهزليّة إلا حصادا مشؤوما لفتنة تكفير الائمة أو الطعن في عقيدتهم، وهي الفتنة الّتي تولّت كبرها التيارات الإسلامية المعاصرة نفسها التي رفعت شعار التوحيد أمام توحيد الائمة، ثم تتظاهر اليوم بالإنكار على من يباهل على توحيدها في كفر الائمة. والله غالب على أمره.

