هيرشبيلي بعد عشر سنوات.. بين إمكانات واعدة وتحديات تعيق التحول
الولاية أمام اختبار القيادة الجديدة
بعد مرور عقد كامل على تأسيس ولاية هيرشبيلي، تعود إلى الواجهة أسئلة جوهرية حول مستقبل التجربة السياسية والتنموية فيها، ومدى قدرتها على الانتقال من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة بناء المؤسسات وتحقيق التنمية المستدامة.
فرغم أن الولاية تمتلك مجموعة كبيرة من المقومات التي تجعلها من أكثر الولايات الفيدرالية الصومالية أهمية، فإن الفجوة بين الإمكانات المتوفرة والنتائج المحققة لا تزال تمثل أحد أبرز التحديات أمام صناع القرار والنخب السياسية.
ويشير تقييم التجربة خلال السنوات الماضية إلى أن المشكلة الأساسية لم تكن في غياب الموارد أو الفرص، وإنما في ضعف القدرة على تحويل هذه الموارد إلى مشاريع تنموية ملموسة تعود بالنفع على السكان، وهو ما يجعل مسألة القيادة القادمة محورًا رئيسيًا في تحديد مستقبل الولاية.
موقع استراتيجي وثقل سياسي واقتصادي
تتمتع هيرشبيلي بموقع جغرافي يمنحها أهمية استثنائية، فهي تقع بالقرب من العاصمة مقديشو، ما يجعلها مرتبطة بشكل مباشر بالحركة السياسية والاقتصادية في البلاد. كما تمثل منطقة عبور بين شمال الصومال وجنوبه، الأمر الذي يمنحها أهمية في مجالات التجارة والنقل والربط الاقتصادي.
ولا تقتصر أهمية الولاية على موقعها فقط، بل تمتلك أيضًا موارد طبيعية كبيرة، خاصة في القطاع الزراعي بفضل نهر شبيلي، الذي يمثل أحد أهم مصادر الإنتاج الزراعي في الصومال. كما أن وجود فرص اقتصادية مثل مشروع ميناء عدالي يمكن أن يفتح آفاقًا جديدة أمام الولاية لتصبح مركزًا تجاريًا يخدم المناطق الداخلية والأسواق الإقليمية.
إلى جانب ذلك، تضم هيرشبيلي عددًا من الشخصيات السياسية ورجال الأعمال والكفاءات المؤثرة، ما يمنحها رصيدًا بشريًا قادرًا على لعب دور أكبر في عملية التنمية إذا تم توظيفه بالشكل الصحيح.
الأمن والاستقرار.. التحدي الأول أمام التنمية
رغم الإمكانات الاقتصادية والجغرافية، يبقى الملف الأمني من أكبر العقبات التي تواجه هيرشبيلي. فاستمرار تهديد حركة الشباب يؤثر على قدرة مؤسسات الولاية على العمل بحرية، ويحد من قدرة المستثمرين على الدخول في مشاريع طويلة المدى.
وتحتاج المرحلة المقبلة إلى قيادة قادرة على التعامل مع الملف الأمني باعتباره جزءًا من مشروع بناء الدولة، وليس مجرد ملف عسكري، وذلك من خلال تعزيز التعاون مع الحكومة الفيدرالية، ودعم الأجهزة الأمنية، وترسيخ سلطة القانون في جميع مناطق الولاية.
الانقسامات الداخلية والحاجة إلى مصالحة سياسية
إلى جانب التحديات الأمنية، شكلت الخلافات القبلية والسياسية أحد العوامل التي أثرت على مسار التنمية. فغياب التوافق بين بعض المكونات الاجتماعية أدى في مراحل مختلفة إلى إضعاف المؤسسات وتأخير تنفيذ البرامج الحكومية.
ولهذا فإن الرئيس القادم سيكون مطالبًا قبل أي شيء ببناء حالة من المصالحة الداخلية، وإدارة التنوع الاجتماعي باعتباره عنصر قوة وليس مصدر صراع، من خلال سياسة تقوم على الحوار والشراكة وتوسيع المشاركة السياسية.
الاستثمار والتنمية.. من الإمكانات إلى المشاريع
تحتاج هيرشبيلي إلى نموذج اقتصادي جديد يعتمد على تحفيز الاستثمار المحلي وجذب رؤوس الأموال الخارجية. فرغم وجود رجال أعمال ينحدرون من الولاية، فإن حجم مساهمتهم الاستثمارية لم يصل بعد إلى مستوى الإمكانات المتاحة.
كما أن تمركز عدد كبير من النخب السياسية والاقتصادية في مقديشو جعل مدن الولاية، وعلى رأسها جوهر، تفقد جزءًا مهمًا من الطاقات التي يمكن أن تسهم في تطويرها.
ومن هنا، فإن القيادة القادمة مطالبة بإعادة ربط النخب بالولاية، وتشجيع الاستثمار الداخلي، وتحويل القطاعات الزراعية والتجارية والخدمية إلى محركات للنمو الاقتصادي.
مواصفات رئيس المرحلة المقبلة للولاية
ويرى مراقبون أن هيرشبيلي لا تحتاج فقط إلى رئيس يدير المؤسسات، بل إلى قائد يمتلك مشروعًا سياسيًا وتنمويًا واضحًا.
ويفترض أن يكون الرئيس القادم شخصية توافقية قادرة على بناء الثقة بين المكونات المختلفة، وقيادة عملية المصالحة السياسية والاجتماعية، إضافة إلى امتلاك رؤية أمنية واقتصادية متكاملة.
كما يجب أن يكون قادرًا على إدارة العلاقات مع الحكومة الفيدرالية والشركاء الدوليين بطريقة تحقق مصالح الولاية، وأن يمتلك خبرة في الإدارة العامة وبناء المؤسسات.
وفي الجانب الاقتصادي، تحتاج الولاية إلى قيادة تؤمن بأن التنمية لا تتحقق عبر المساعدات فقط، بل عبر الاستثمار والإنتاج واستغلال الموارد المحلية، مع التركيز على تطوير الزراعة، والبنية التحتية، والمشاريع الاستراتيجية مثل ميناء عدالي.
الحوكمة وبناء المؤسسات.. أساس النجاح
لن يكون تحقيق التحول ممكنًا دون تعزيز الحوكمة الرشيدة، ومحاربة الفساد، واعتماد الكفاءة معيارًا في إدارة مؤسسات الولاية.
فالمرحلة القادمة تحتاج إلى قيادة تجعل بناء المؤسسات أولوية، وتعمل على تطوير الإدارة المحلية، وتحسين الخدمات، وتعزيز ثقة المواطنين في الحكومة.
الخلاصة: معركة هيرشبيلي هي معركة قيادة ورؤية
تكشف تجربة السنوات العشر الماضية أن هيرشبيلي لا تعاني من نقص في الموارد أو الفرص، بل من تحدي الإدارة والقيادة.
فالولاية تمتلك الموقع، والموارد، والكوادر، والفرص الاقتصادية، لكنها تحتاج إلى قيادة قادرة على جمع هذه العناصر ضمن مشروع واحد يحول الإمكانات إلى إنجازات.
وسيكون الرئيس القادم أمام مسؤولية تاريخية تتمثل في نقل هيرشبيلي من مرحلة البحث عن الاستقرار إلى مرحلة بناء التنمية، ووضعها على طريق جديد يجعلها نموذجًا في الإدارة والتنمية داخل الصومال خلال العقد المقبل.

