الصومال بحاجة إلى سياسة تتجاوز إرث الماضي

المزيد للقراءة

الصومال بحاجة إلى سياسة تتجاوز إرث الماضي

عند قراءة كتاب «نضال ومحن» (Halgan iyo Hagardaamo) الذي ألّفه الرئيس الصومالي الراحل العقيد عبد الله يوسف أحمد، رحمه الله، يمكن استخلاص العديد من الدروس المهمة من تاريخ السياسة الصومالية بعد انهيار الدولة المركزية في عامي 1990 و1991، ولا سيما طبيعة العلاقة والصراع السياسي والعسكري الذي جمع بين العقيد عبد الله يوسف أحمد والجنرال محمد فرح حسن «عيديد»، رحمه الله.

مرّ الرجلان بمراحل متعددة من الصداقة والخلاف والصراع والمواجهة، ثم انتهيا في نهاية المطاف إلى التفاهم السياسي. وكانت مدينة غالكعيو وحتى إقليم مدغ مسرحاً لمواجهات بينهما، قبل أن تقودهما السياسة إلى التوصل إلى تفاهمات وتسويات.

كان لكل منهما مشروعه وطموحه السياسي للوصول إلى قيادة الصومال. وفي نهاية المطاف، وصل العقيد عبد الله يوسف أحمد إلى فيلا الصومال عام 2004، بعد مسيرة سياسية وعسكرية طويلة.

ومن أبرز الدروس التي يمكن استخلاصها من كتاب «نضال ومحن» أن الوصول إلى قيادة الصومال يتطلب خمسة عناصر أساسية:

1. امتلاك رؤية داخلية وخارجية، وفهم طبيعة السياسة الصومالية، إلى جانب فهم سياسات الإقليم والمجتمع الدولي.

2. بناء قاعدة سياسية واجتماعية قوية، تقوم على ثقة الشعب، والعلاقات مع المؤسسات والمجتمعات المحلية.

3. الصبر والقدرة على اتخاذ القرارات، لأن السياسة الصومالية كثيراً ما تتطلب نفساً طويلاً وقدرة على الانتظار والتحمل.

4. فهم المجتمع الصومالي، وثقافته وتطلعاته وشكاواه ومطالبه السياسية والاجتماعية.

5. فهم الدول والقوى المرتبطة بالصومال، ومعرفة كيفية إدارة المصالح المتباينة على المستويات المحلية والإقليمية والدولية.

وكانت هذه العناصر من العوامل التي ساعدت العقيد عبد الله يوسف أحمد في مسيرته السياسية الطويلة. وفي المقابل، فإن مسيرة الجنرال محمد فرح عيديد اتخذت مساراً مختلفاً، ودخلت في صراعات وعواصف سياسية وعسكرية انتهت نهاية مأساوية.

لكن الصومال اليوم ليست صومال تسعينيات القرن الماضي.

لقد تجاوزت البلاد، بدرجات متفاوتة، مرحلة الحرب الأهلية الشاملة، ومرحلة أمراء الحرب وغياب الدولة. وتم تأسيس الحكومة الفيدرالية، والمؤسسات الدستورية، ونظام سياسي يفترض أن تُحل الخلافات في إطاره من خلال الحوار السياسي والقانون والمؤسسات، وليس من خلال إعادة إنتاج أساليب الماضي.

ومن هذا المنطلق، فإن الاتهامات المتبادلة بين الحكومة الفيدرالية وحكومة بونتلاند بشأن نوايا التصعيد أو زعزعة الاستقرار لا تخدم المصلحة الوطنية، ما لم تستند إلى أدلة واضحة وموثوقة.

وكان الأجدر بالرئيس سعيد عبد الله دني أن يستفيد من دروس التاريخ، ومن تجربة الرئيس الراحل عبد الله يوسف، وأن يدرك أن السياسة الوطنية لا تُبنى على الصدام الدائم، وإنما على القدرة على بناء التفاهمات وتوسيع دائرة الثقة.

الرئيس سعيد عبد الله دني سياسي ذو خبرة، وكان جزءاً من المشهد السياسي الوطني منذ سنوات، كما شغل منصباً في حكومة رئيس الوزراء السابق عبد القادر محمد «عزمي» في عام 2012، قبل أن يخوض لاحقاً منافسات سياسية على المستوى الوطني سعياً للوصول إلى قيادة البلاد.

وهنا تكمن أهمية أن يدرك السياسي الطامح إلى قيادة الصومال أن الوصول إلى فيلا الصومال لا يتحقق فقط من خلال امتلاك قاعدة سياسية إقليمية، وإنما يحتاج إلى مشروع وطني قادر على جمع الصوماليين حول رؤية مشتركة.

فالصراع السياسي المستمر لا يصنع بالضرورة زعيماً وطنياً، بينما القدرة على المصالحة، واحتواء الخصوم، وبناء الجسور بين مختلف مكونات المجتمع، هي التي تصنع رجل الدولة.

غالكعيو ومدغ بحاجة إلى السلام

مدينة غالكعيو وإقليم مدغ يحتاجان اليوم إلى السلام والاستقرار، وليس إلى إعادة إنتاج صراعات الماضي.

وعندما يزور الرئيس حسن شيخ محمود بونتلاند أو غالكعيو، فمن الأفضل أن يُنظر إلى الزيارة باعتبارها فرصة لتعزيز وحدة البلاد، وفتح قنوات الحوار، وتقوية العلاقة بين الحكومة الفيدرالية والولايات الأعضاء في الدولة الفيدرالية، ما لم توجد أدلة واضحة تثبت وجود أهداف أخرى.

كما أن السياسيين المنحدرين من بونتلاند الذين يشغلون مناصب في الحكومة الفيدرالية هم مواطنون صوماليون، ومن حقهم الدستوري والسياسي أن يخدموا مؤسسات الدولة الوطنية. ولا ينبغي النظر إليهم باعتبارهم خصوماً لبونتلاند لمجرد مشاركتهم في مؤسسات الحكومة الفيدرالية.

وفي نهاية المطاف، فإن سعيد عبد الله دني سياسي يتمتع بتأثير وشرعية سياسية، كما أن قيادة الحكومة الفيدرالية تتمتع بدورها بشرعية دستورية وسياسية.

ولهذا، فإن المطلوب من الرئيس دني أن يتصرف بوصفه رجل دولة وناضجاً سياسياً وشيخاً من شيوخ المجتمع الصومالي، وقادراً على جمع الناس وتقريب وجهات النظر، بدلاً من أن يتحول المشهد السياسي إلى صراع دائم بينه وبين رفاقه وحلفائه السابقين.

الصومال بحاجة إلى تغيير جيلي

الصومال اليوم بحاجة إلى تغيير في الأجيال السياسية؛ إلى جيل جديد متعلم، يفهم مؤسسات الدولة، ويستوعب طبيعة النظام الدستوري، ويفهم العالم والإقليم، ويمتلك رؤية تتجاوز الخلافات الشخصية والصراعات السياسية الموروثة من الماضي.

الجيل السابق يمتلك الخبرة والتجربة، بينما يمتلك الجيل الجديد العلم والمعرفة والرؤية الحديثة.

والصومال لا تحتاج إلى إقصاء أحدهما، بل إلى الجمع بين خبرة الجيل السابق وعقلية الجيل الجديد.

لكن الحقيقة التي ينبغي أن يدركها الجميع هي أن:

مستقبل الصومال لا يمكن أن يُبنى بأدوات الأمس، ولا بعقلية صراعات الماضي.

الصومال بحاجة إلى سياسة جديدة؛ سياسة تقوم على الحوار، والمؤسسات، والمصلحة الوطنية، وبناء الثقة، وتجاوز الخصومات الشخصية، والانتقال من سياسة «من يربح ومن يخسر» إلى سياسة يكون فيها الصومال هو الرابح الوحيد.

عبد الرحمن سهل يوسف
✍️ بقلم

Share

اقرأ هذا أيضًا