نحن شعبٌ يحكم على الناس بسرعة، ولا نحرص على الاستماع إلى كلام الشخص كاملًا؛ فنسبّه ونشتمه، بل ونصدر أحكامنا عليه قبل أن نفهم ما يقول وما يرمي إليه.
تصوّر أن المهندس حسن، مدير لجنة مسجد التوفيق في مدينة ميونخ بألمانيا، وصفه بعض الناس بأنه علماني، وأنه لا يدخل المساجد!
كان للرجل مداخلتان في حفل تدشين كتاب «Adkaysi» للسياسي عبد الرحمن عبد الشكور، المرشح لرئاسة جمهورية الصومال الفيدرالية.
في إحدى مداخلتيه، تحدث المهندس حسن عن والده، الذي كان طبيبًا وإمامًا في الوقت نفسه في مدينة بولوبردي (Buulobarde)، وهي المدينة التي وُلد فيها السياسي عبدالرحمن عبدالشكور ورسمي . وكان المهندس يعتز كثيرًا بعمل والده طبيبًا وإمامًا هناك.
أما اليوم، فيدعو المهندس حسن أبناء الجالية الصومالية في مدينة ميونخ، ويحثّهم على التبرع لشراء مسجد للجالية. وقد تحدث عن أهمية المسجد للجالية وأبنائها وأطفالها. ثم يأتي شخص ليحكم عليه بأنه علماني، ويكره العلماء، ولا يدخل المساجد، ولا يعرف عنها شيئًا!
تصوّر أن المهندس قال في مداخلته: «هناك شيء يقضّ مضجعي ويهمّني أكثر من الحديث عن الكتاب الذي ألّفه السياسي، وهو أهمية المسجد للجالية في ميونخ».
وفي الليلة نفسها، تحدث في المكان ذاته السياسي المعروف الشيخ عبد الرحمن جنقو، نائب المحاكم الإسلامية في الصومال، تعقيبًا على كلام المهندس حسن. ولم يكتفِ بالاستماع إليه، بل رحّب به مبدئيًا فيما يخص بضرورة تحدث العلماء عن حياة الناس وهموم الشباب والبسطاء الفقراء، ثم تحدث عن بودكاست تناول فيه موضوع «السياسة الشرعية»، وكان قد سجّل منه حلقتين في مقديشو مؤخرًا.
والشيخ عبد الرحمن جنقو شيخ وسياسي، وقيادي بارز في الحركات الإسلامية، ووزير سابق، وقد عاش تجربة الاغتراب أيضًا. وقد عمل في هذه المجالات في وقت لم يكن فيه معظم الذين ينتقدون المهندس قد وُلدوا بعد!
ومع ذلك، لم ينتقد الشيخ جنقو المهندس حسن، بل استمع إلى مداخلتيه كاملتين، ثم عقّب على كلامه بالتفصيل. وهو يعرف المهندس أيضًا، ويدرك ما يرمي إليه كلامه، فضلًا عن انتمائهما إلى الجالية نفسها.
يجب أن نحسن الظن بالناس، وألا نحاكم نواياهم.
لقد عاش المهندس حسن خمسين عامًا في الغربة، ثم عاد إلى بلده، فرأى الفقر، وإهمال الناس نظافة الشوارع، وغير ذلك من مظاهر الإهمال. وكان يتوقع أن يرى الخطباء يتناولون هذه الموضوعات في خطبة الجمعة.
نعم، ينبغي أن يوضّح أحد العلماء للمهندس بهدوء أن الحديث عن الآخرة والحساب والمحشر تربيةٌ للروح، وأن اهتمام المرء بيوم الحساب والآخرة ينبغي أن يدفعه إلى الحرص على العدل، والابتعاد عن العصبية القبلية والفساد المالي.
فالمسألة ليست تعارضًا بين الحديث عن الآخرة والاهتمام بشؤون الدنيا؛ بل إن استحضار الآخرة ينبغي أن ينعكس على سلوك الإنسان وتعاملاته في الحياة.
وفي الوقت نفسه، ينبغي أن يأخذ كل شيخ كلام المهندس على محمل الجد، وأن يناقشه باهتمام، وأن يقدّر دعوته إلى اهتمام العلماء والخطباء بقضايا الناس الواقعية ومشكلاتهم اليومية، ومتابعتها والعمل على معالجتها؛ فالناس يتأثرون بالعلماء ويتبعون توجيهاتهم، كما أشار المهندس حسن في إحدى مداخلتيه.
أما أنا، فقد استمعت إلى مداخلتي المهندس، وأختلف معه في مسألة أخرى؛ إذ أشار إلى أن الصومال قد تحتاج إلى قائد قوي، يتمتع بالكاريزما، ويحكم البلاد والعباد بقبضة من حديد، ولديه مشروع وطني واضح. كما شرح دور الثورات والتحولات التاريخية في فرنسا وبريطانيا وألمانيا في بناء الدولة.
وأنا أرى أن قائدًا بهذه المواصفات قد يتحول إلى ديكتاتور، وأن الديكتاتورية كانت من أسباب انهيار الدولة الصومالية.
الاستاذ عبدالرحمن راغي علي

