المؤتمرات الدعوية الصومالية : بين معيار الكفاءة وضغط العلاقات والتوازنات

المزيد للقراءة

المؤتمرات الدعوية الصومالية : بين معيار الكفاءة وضغط العلاقات والتوازنات :
إن الكتابة عن هذا الموضوع تُعدّ من المسائل الحساسة والشائكة، والقابلة لإثارة الشكوك حول أصل طرحها، ونية كاتبها، والمراد منها. ولذا، فمن الصعب أن تجد من يتطرق إليه، ولو من باب السؤال والاستفسار، خوفًا من نظرة الناس إليه واتهامه بما هو بريء منه؛ لأنه يمس جوهر واقع العمل الإسلامي في أرض الوطن والمهجر على حد سواء. كما أن الآثار والمخرجات المترتبة عليه قد تستمر لسنوات طويلة، دون أن تكون هناك أي مراجعة أو محاولة لتصحيح الأخطاء والممارسات التي تراكمت فيه على حين غفلة من القائمين على العمل الدعوي.
سيركز هذا المقال على معيارين اثنين لهما علاقة مباشرة بعنوانه، وهما: معيار الكفاءة والعلم الشرعي، ومعيار العلاقات الشخصية ومراعاة التوازنات الاجتماعية؛ لنتمكن من تقييم هذا العمل بعدل وإنصاف، ثم نشير إلى الآثار والنتائج المترتبة عليهما.
ليس المراد من هذه الكلمات الحديث عن الأفراد والمؤسسات مدحًا أو ذمًّا، أو تأييدًا أو معارضة، بل القصد منها تسليط الضوء على جوانب من هذه الفعاليات، والإشارة إلى مكامن الخلل التي قد لا يراها البعض، ثم السعي إلى إصلاحها إن أمكن ذلك.
المعيار الأول: الكفاءة والعلم الشرعي :
لا يوجد ميزان متفق عليه لتعريف الكفاءة، أو كيفية قياسها وتقدير مستواها، أو رسم حدودها ووصفها، أو تحديد من يستحق أن يوصف بها ومن لا يستحق ، فقد تتوافر لدى شخص جديد في الساحة الدعوية، بينما يفتقدها من قضى فيها عمرًا طويلًا. كما أن قياسها لا يخلو من الاجتهاد والتفاوت، ولا يمكن أن يصدر بشأنها حكم نهائي لا رجعة فيه.
قد يكون لدى الداعية تحصيل شرعي معتبر، ولكن ليست لديه الكفاءة والمهارة اللازمتان لإيصال المعلومات إلى الجمهور المستهدف، أو لمعالجة الموضوع المطروح معالجة مفيدة، أو لتقديم إضافات جديدة تنفع السامعين، بدلًا من تكرار موضوعات قد لا تلامس أولويات المخاطبين في موقع معين أو مرحلة معينة، مع أهمية تلك الموضوعات في ذاتها.
وثمة فارق كبير بين الكفاءة المطلوبة في المؤتمرات العلمية التي يقصدها جمهور واسع من مختلف أطياف المجتمع، وبين الكفاءة اللازمة للدروس التي تُقدَّم في حلقات العلم وبين جدران الفصول الدراسية؛ فقد يُجيد بعض الدعاة تقديم دروس خاصة، بينما لا يكون أداؤهم بالمستوى نفسه في الملتقيات العامة.
وقد تتحسن هذه الكفاءة ويرتفع مستواها كلما زادت سنوات مشاركة الداعية في المؤتمرات والجولات الدعوية، وكثرت المحاضرات التي ألقاها، واتسعت دائرة تواصله مع الجمهور . وقد تكون الشهرة أيضًا من العوامل التي أسهمت في وصوله إلى هذا المستوى . فإذا لم يستثمر الداعية هذه الوسائل والفرص التي أُتيحت له لتسهيل التواصل مع المدعوين ، ولم يستفد من تجاربه ، ولم يحوّلها إلى رصيد معرفي ومهاري يستعين به على أداء مهمته الدعوية ورفع مستواه العلمي والمعرفي ، فإنه يكون كمن يبذل الجهد دون أن يحقق الأثر المرجو.
أما العلم الشرعي ، فهو أُسّ الدعوة وأساسها ، ومن أعظم شروط القيام بها . فمن لم يكن لديه علم شرعي معتبر ، وجب عليه أن يقتصر على ما يجيده ويحسنه ، وأن يتيح الفرصة لمن لديه القدرة العلمية والكفاءة اللازمة للقيام بالواجب المطلوب .
المعيار الثاني: العلاقات الشخصية ومراعاة التوازنات الاجتماعية والمناطقية :
على الرغم من أهمية الكفاءة والتحصيل العلمي ، فإن الواقع العملي يشهد ، بما لا ينكره أحد ، بأن بعض الاعتبارات غير الموضوعية تؤدي دورًا مهمًّا في تنظيم المؤتمرات العلمية والدعوية.
ومن هذه الاعتبارات التي تصبح ، في بعض الأحيان ، شرطًا أساسيًّا في اختيار المشاركين : العلاقات الشخصية .
فالعلاقات الشخصية ليست مذمومة في ذاتها ولا محرمة ، بل قد تكون وسيلة مناسبة للتعرف على الناس ، وما يتمتعون به من علم ورجاحة عقل وخبرة وكفاءة، ومدى فهمهم للموضوعات التي تُسند إليهم عند مشاركتهم في الأنشطة الدعوية. ولكن المشكلة تبدأ عندما تُقدَّم أسماؤهم لمجرد الصداقة الشخصية أو لقربهم من الجهة المنظمة، دون مراعاة المعيار العلمي ومهارة الأداء؛ لأن ذلك يؤدي إلى إضعاف فرص تحقيق الأهداف المرجوة من هذه الفعاليات.
مراعاة التوازنات القبلية والمناطقية :
تُعدّ القبلية من أبرز العوامل المؤثرة في التواصل والتعاضد والتناصر والتناغم بين الصوماليين، كما أنها تؤدي دورًا مؤثرًا في إدارة الحياة السياسية؛ فبها قد يُكرم المرء أو يُهان، ولذلك لم ينجُ من تأثيرها إلا من رحم الله.
وليست القبلية شرًّا محضًا إذا لم يترتب عليها ظلم أو عدوان، أو خرق لقواعد الشرع وانتهاك لأخلاقه العظيمة. كما أن مجرد الانتماء القبلي ليس مذمومًا في ذاته، ولا يكون محرمًا لمجرد وجوده، إذا استُخدم في إحقاق الحق وإبطال الباطل ونصرة الدين وانتشار الدعوة. غير أن للواقع الصومالي خصوصيته التي تستحق النظر والتأمل.
وتؤدي القبلية اليوم دورًا مهمًّا في اختيار أسماء المشاركين في الملتقيات الدعوية. ومع ذلك، لا تُوزَّع الفرص دائمًا بصورة عادلة وشفافة، بل قد يظهر فيها حيف واضح، يبدو في بعض الحالات مقصودًا.
ولذا، أصبحت بطاقة الانتماء القبلي بمثابة جواز دخول إلى الميدان، حتى لو لم يستوفِ حاملها الشروط المطلوبة، في حين يُستبعد من لا يحملها، ولو استوفى تلك الشروط.
الانتماءات الفكرية والتنظيمات الحزبية :
تؤدي الانتماءات الفكرية والتنظيمية دورًا محوريًّا في كثير من الفعاليات الدعوية في أوساط المجتمع الصومالي.
وقد تفرض هذه التكتلات تفضيل شخصيات تنتمي إلى تيار أو جماعة معينة، وتقريبها من المشهد الدعوي، على حساب كفاءات مستقلة أو أشخاص قد يكونون أقدر على تحقيق المصلحة الدعوية.
أما الآثار المترتبة على هذه الممارسات فكثيرة، منها:
– تراجع مستوى الأداء والجودة .
– إحباط الكفاءات العلمية .
– انحصار التمويل في دوائر محدودة .
– فقدان ثقة الجمهور .
– ضعف التعاون بين العلماء .
– امتناع بعض الناس عن حضور المؤتمرات، وغير ذلك من الأمور التي تؤثر سلبًا في انسيابية العمل الدعوي واستمراره.
وإذا أُريدت معالجة هذه الظاهرة معالجة مباشرة وصحيحة، فينبغي توسيع دائرة الاستقطاب، وإتاحة الفرصة للوجوه الجديدة المؤهلة علميًّا لأداء هذا الواجب، ووضع معايير موضوعية لآلية الاختيار، وتقييم أداء المحاضرين ومدى التزامهم بالقواعد المنظمة للمؤتمرات، وإجراء تقييم شامل بعد انتهاء كل مؤتمر؛ بهدف التطوير وتصحيح الأخطاء وتحسين الأداء في الفعاليات اللاحقة.
د.عبدالباسط شيخ إبراهيم
يوم الجمعة في ١٤٤٨/٥/١٩هـ
الموافق في ٢٠٢٦/١٠/٣٠م

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here

د.عبد الباسط شيخ إبراهيم
د.عبد الباسط شيخ إبراهيمhttp://qiraa
كاتب مهتم بالشؤون الفكرية والدعوية

Share

اقرأ هذا أيضًا