الصومال في معادلة الأمن الدولي: الحرب على الإرهاب والتنافس على النفوذ ومستقبل السيادة الوطنية

المزيد للقراءة

لم تعد الحرب على الإرهاب في القرن الأفريقي مجرد مواجهة أمنية بين الحكومات والتنظيمات المسلحة، بل أصبحت جزءاً من معادلة جيوسياسية أوسع تتداخل فيها المصالح الدولية والإقليمية، والتنافس على الممرات البحرية، والموارد الطبيعية، ومناطق النفوذ الاستراتيجي. وفي قلب هذه المعادلة تقف الصومال، التي تجد نفسها أمام تحدٍ مزدوج يتمثل في مواجهة تهديد أمني داخلي مستمر، والتعامل مع بيئة دولية تتزايد فيها المنافسة على النفوذ والمصالح.

إن الموقع الجغرافي للصومال يمنحها أهمية استثنائية في الحسابات الاستراتيجية للقوى الدولية. فهي تطل على خليج عدن والمحيط الهندي، وتجاور واحداً من أهم الممرات البحرية في العالم، وهو مضيق باب المندب، الذي يمثل حلقة وصل حيوية بين البحر الأحمر والمحيط الهندي والأسواق الدولية. ولذلك، فإن استقرار الصومال لا يرتبط بأمنها الداخلي وحده، بل يمتد تأثيره إلى أمن الملاحة الدولية والتوازنات الإقليمية في البحر الأحمر والقرن الأفريقي.

ومنذ انهيار الدولة المركزية عام 1991، تحولت الصومال إلى ساحة لتدخلات دولية وإقليمية متعددة، اختلفت دوافعها وأدواتها، لكنها التقت في كثير من الأحيان عند عنوان إعادة بناء الدولة ومكافحة الإرهاب وحماية المصالح الاستراتيجية. ومع صعود حركة الشباب المرتبطة بتنظيم القاعدة، أصبحت مكافحة الإرهاب المدخل الأبرز للحضور العسكري والاستخباراتي الدولي في البلاد.

لكن السؤال الجوهري الذي ينبغي طرحه اليوم هو: هل تتجه الاستراتيجية الدولية نحو تمكين الصومال من بناء منظومة أمنية مستقلة، أم أن المصالح الأمنية والجيوسياسية للقوى الخارجية تجعل العلاقة مع مقديشو محكومة بحسابات تتجاوز متطلبات بناء الدولة؟

مكافحة الإرهاب والمصالح الأمريكية والغربية

تحتل مكافحة الإرهاب موقعاً مركزياً في السياسة الأمريكية تجاه الصومال والقرن الأفريقي. فالولايات المتحدة تنظر إلى حركة الشباب باعتبارها تهديداً أمنياً إقليمياً ودولياً، بالنظر إلى ارتباطها بتنظيم القاعدة وقدرتها على تنفيذ هجمات داخل الصومال وخارجه.

غير أن السياسة الأمريكية لا يمكن تفسيرها من منظور مكافحة الإرهاب وحده؛ فهي ترتبط أيضاً بأمن البحر الأحمر وخليج عدن، وحماية طرق التجارة، ومراقبة التحولات الأمنية في شرق أفريقيا، وموازنة نفوذ القوى الدولية المنافسة.

وتعكس القاعدة العسكرية الأمريكية في جيبوتي، والتعاون العسكري والاستخباراتي مع الحكومة الصومالية، أهمية المنطقة في الاستراتيجية الأمريكية. كما أن استمرار الدعم للقوات الصومالية، ولا سيما الوحدات المتخصصة، يمثل جزءاً من مقاربة تقوم على الجمع بين العمليات المباشرة وبناء قدرات الشركاء المحليين.

أما الدول الأوروبية، فتتداخل مصالحها الأمنية مع حماية الملاحة البحرية ومكافحة القرصنة والهجرة غير النظامية والتطرف العنيف. ومع ذلك، فإن اختلاف الأولويات بين واشنطن والعواصم الأوروبية يطرح تساؤلات حول مدى وجود رؤية غربية موحدة لمستقبل الأمن الصومالي.

والإشكالية ليست في وجود المصالح الدولية، فكل دولة تتحرك وفق حساباتها الاستراتيجية، وإنما في قدرة الصومال على ضمان توافق تلك المصالح مع أولوياتها الوطنية.

تركيا: نموذج مختلف للشراكة الأمنية والاستراتيجية

برزت تركيا خلال السنوات الماضية باعتبارها أحد أهم الشركاء الدوليين للصومال، من خلال حضور يجمع بين التعاون العسكري والتدريب الأمني والاستثمار الاقتصادي والمساعدات الإنسانية والتنموية.

وقد اكتسب التعاون العسكري بين البلدين أهمية خاصة من خلال تدريب القوات المسلحة الصومالية وتطوير قدراتها، إلى جانب توسيع مجالات التعاون البحري والأمني.

وتتجاوز أهمية العلاقة التركية الصومالية حدود الدعم العسكري؛ فهي ترتبط أيضاً بالموقع الاستراتيجي للصومال وبالمصالح التركية المتنامية في القرن الأفريقي والمحيط الهندي.

وفي هذا السياق، يمثل التعاون في مجال الموارد البحرية والطاقة والملاحة فرصة لتطوير الاقتصاد الصومالي، شريطة أن يستند إلى اتفاقيات شفافة تحفظ الحقوق الوطنية وتضمن استفادة المؤسسات والمجتمع الصومالي من هذه الشراكة.

ومن المهم هنا ألا يُنظر إلى التعاون التركي باعتباره بديلاً عن بقية الشراكات الدولية، بل باعتباره أحد مكونات السياسة الخارجية الصومالية التي ينبغي إدارتها ضمن استراتيجية وطنية متوازنة.

التنافس الخليجي والإقليمي: الموانئ والنفوذ السياسي

يشهد القرن الأفريقي تنافساً متزايداً بين القوى الإقليمية والخليجية، خصوصاً في مجالات الموانئ والاستثمارات البحرية والتعاون العسكري والعلاقات السياسية.

وتبرز الإمارات العربية المتحدة في هذا السياق من خلال علاقاتها الاقتصادية والأمنية والسياسية مع عدد من الأطراف في منطقة القرن الأفريقي، بما في ذلك الصومال ومحيطها الإقليمي. كما تمثل السعودية وقطر وتركيا أطرافاً ذات مصالح متباينة ومتقاطعة في المنطقة.

ويكتسب هذا التنافس حساسية خاصة في الحالة الصومالية، بسبب طبيعة النظام الفيدرالي، وتعدد مستويات السلطة، واختلاف العلاقات الخارجية لبعض الإدارات الإقليمية.

ومن هنا، فإن التحدي أمام مقديشو لا يتمثل في رفض الاستثمارات أو الشراكات الإقليمية، وإنما في ضمان ألا تتحول العلاقات الخارجية إلى قنوات متوازية لصناعة النفوذ السياسي والأمني خارج الإطار الدستوري والمؤسسي للدولة.

فالموانئ والمطارات والموارد البحرية ليست مجرد مشروعات اقتصادية، بل تمثل عناصر أساسية في الأمن القومي والسيادة الوطنية. وأي ترتيبات تتعلق بها ينبغي أن تراعي الاختصاصات الدستورية للدولة، وأن تخضع لمعايير الشفافية والمصلحة العامة.

إن التنافس الدولي والإقليمي قد يتيح للصومال فرصاً اقتصادية واستراتيجية مهمة، لكنه قد يخلق أيضاً تحديات إضافية إذا غابت الرؤية الوطنية الموحدة لإدارة العلاقات الخارجية.

حركة الشباب: لماذا لم تنتهِ الحرب على الإرهاب؟

على الرغم من العمليات العسكرية المتواصلة، والدعم الدولي والإقليمي، وتطوير قدرات القوات المسلحة الصومالية، لا تزال حركة الشباب تحتفظ بقدرات على تنفيذ الهجمات وإعادة تنظيم صفوفها في مناطق مختلفة.

ولا يمكن تفسير استمرار التنظيم بعامل واحد، إذ تتداخل عدة أسباب، من بينها ضعف المؤسسات المحلية، والانقسامات السياسية، والفراغ الإداري في بعض المناطق، والقدرة على استغلال المظالم المحلية، فضلاً عن شبكات التمويل والجباية والتجنيد.

كما أن العمليات العسكرية، مهما بلغت فعاليتها، لا تستطيع وحدها القضاء على التنظيم ما لم تترافق مع وجود مؤسسات حكومية قادرة على إدارة المناطق المستعادة وتوفير الأمن والخدمات والعدالة.

وهنا تبرز مفارقة استراتيجية: فكلما تراجعت قدرة الدولة على تحويل المكاسب العسكرية إلى استقرار مدني مستدام، ظلت البيئة المحلية عرضة لعودة الجماعات المسلحة.

كما أن تعدد الشركاء العسكريين واختلاف أولوياتهم قد يؤديان إلى تشتت الجهود إذا لم تكن هناك قيادة وطنية واضحة تحدد طبيعة العمليات وأهدافها ومراحلها.

لذلك، فإن السؤال الأكثر أهمية ليس فقط لماذا لم تُهزم حركة الشباب عسكرياً، بل لماذا لم يتحول الدعم الدولي والعسكري المتراكم إلى منظومة أمنية وطنية مكتفية بقدراتها الأساسية؟

السيادة الوطنية: الاختبار الحقيقي للشراكات الدولية

تواجه الصومال اليوم اختباراً مهماً يتعلق بقدرتها على الانتقال من مرحلة الاعتماد الأمني على الخارج إلى مرحلة امتلاك القرار الاستراتيجي.

فالسيادة لا تعني رفض التعاون الدولي، كما أن وجود قوات أجنبية بموافقة الحكومة لا يمثل بالضرورة انتقاصاً من الاستقلال الوطني. لكن السيادة الحقيقية تقتضي أن تكون الدولة صاحبة القرار في تحديد احتياجاتها الأمنية، وإدارة اتفاقياتها العسكرية، وتنظيم علاقاتها الخارجية، وحماية مواردها وأراضيها ومياهها الإقليمية.

وتزداد أهمية هذه القضية في ظل التحولات التي تشهدها البعثات الدولية في الصومال، ولا سيما انتقال المسؤوليات السياسية والتنموية والأمنية تدريجياً إلى المؤسسات الوطنية.

إن انتهاء مهام البعثات الدولية أو تقليص وجودها لا يمثل في حد ذاته دليلاً على اكتمال بناء الدولة، ما لم تكن المؤسسات الصومالية قادرة فعلياً على سد الفراغ وإدارة مسؤولياتها.

ومن هنا، فإن بناء جيش وطني موحد، وتطوير الأجهزة الاستخباراتية، وتعزيز قدرات الشرطة والقوات البحرية وحرس السواحل، ليست مجرد متطلبات أمنية، بل شروط أساسية لممارسة السيادة الوطنية.

الانقسامات السياسية والثغرات الأمنية

لا يمكن فصل مستقبل الحرب على الإرهاب عن طبيعة العلاقة بين الحكومة الفيدرالية والولايات الأعضاء. فالخلافات السياسية والدستورية، وضعف التنسيق بين المؤسسات، وتعدد مراكز القرار الأمني، تؤثر بصورة مباشرة في قدرة الدولة على مواجهة التهديدات المسلحة.

إن التنظيمات المتطرفة تستفيد من الانقسامات الداخلية بقدر استفادتها من الفراغات الأمنية، ولذلك فإن توحيد الجبهة الداخلية يمثل جزءاً لا يتجزأ من الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الإرهاب.

ولا يمكن بناء أمن مستدام دون توافق سياسي حول شكل الدولة واختصاصات مؤسساتها وآليات إدارة الخلافات. كما أن استقرار المؤسسات الدستورية وتعزيز الثقة بين الحكومة الفيدرالية والولايات الأعضاء يساهمان في خلق بيئة أكثر ملاءمة لمواجهة التنظيمات المسلحة.

ومن الضروري أن تتحول مكافحة الإرهاب من ملف تتعامل معه المؤسسات الأمنية بصورة منفصلة إلى مشروع وطني تتشارك فيه المؤسسات السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية.

من ساحة للتنافس إلى دولة تدير مصالحها

إن التحدي الأكبر أمام الصومال في المرحلة المقبلة لا يتمثل في تعدد القوى الدولية المهتمة بها، وإنما في كيفية إدارة هذه القوى ومصالحها ضمن رؤية وطنية واضحة.

فالصومال تمتلك مقومات استراتيجية مهمة، من موقع جغرافي بالغ الحساسية، وسواحل واسعة، وموارد بحرية، وإمكانات اقتصادية واعدة. غير أن تحويل هذه المقومات إلى قوة وطنية يتطلب مؤسسات مستقرة، وسياسة خارجية متوازنة، وقدرات أمنية مستقلة، وتوافقاً سياسياً حول الأولويات الوطنية.

وينبغي أن تقوم السياسة الصومالية على تنويع الشراكات الدولية، وعدم الارتهان لمحور إقليمي أو دولي واحد، مع الحفاظ على علاقات متوازنة مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وتركيا والدول الخليجية والاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة.

كما ينبغي أن تكون جميع الاتفاقيات العسكرية والأمنية والاقتصادية خاضعة لمعايير واضحة، تضمن احترام الدستور والمصلحة الوطنية، وتحول دون استخدام الأراضي أو الموانئ أو الموارد الصومالية في ترتيبات تتعارض مع سيادة الدولة.

إن مستقبل الصومال لن يتحدد فقط بنتائج الحرب على حركة الشباب، وإنما بقدرتها على بناء دولة مؤسسات تمتلك قرارها السياسي والأمني والاقتصادي، وتتعامل مع العالم من موقع الشراكة لا التبعية.

الخلاصة أن الحرب على الإرهاب ينبغي ألا تتحول إلى غاية دائمة بحد ذاتها، ولا إلى مبرر لاستمرار الاعتماد الأمني الخارجي، بل يجب أن تكون مرحلة في مشروع أوسع لإعادة بناء الدولة الصومالية. فنجاح مكافحة الإرهاب لا يُقاس فقط بتراجع التنظيمات المسلحة، وإنما بمدى قدرة الصومال على حماية أمنها، وصيانة مواردها، وتأمين سواحلها، وإدارة علاقاتها الدولية، واستعادة استقلال قرارها الاستراتيجي.

فالصومال ليست مجرد ساحة لمكافحة الإرهاب، ولا مجرد موقع جغرافي تتنافس عليه القوى الدولية؛ إنها دولة ذات سيادة ومصالح وطنية، ومن حقها أن تكون شريكاً في صياغة مستقبل أمن القرن الأفريقي، لا مجرد موضوع في حسابات الآخرين.

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here

Share

اقرأ هذا أيضًا