القبلية الصومالية تترد بين الوطنية والمعارضة!

المزيد للقراءة

انعكست القبلية على الصوماليين من حيث السلوك والأسلوب، حيث باتت مسيرة تنتهي في دوامة الصراع والنزاع، فيعتقدون طبيعيا أن رئيس البلاد يمثل قبيلة، فصارت كل قبيلة تدافع ذويها وقبيلتها التي تمارس السياسة من زاويتها بسبب أن التدين والرابط هو القبيلة ومات عنصر المبدأ والاتجاه!، ولا يعرف الصومالي ماهية الوطنية؛ فينقض استراتيجية البلاد بمعول القبلية، وهناك تيار آخر يعارض الحكومة على أن أرباب قبيلته استنكرت تقاسم كعكعة السلطة، ثم يدنس أعمال الحكومة، وليس له سبيل يعرف فيها معنى المعارضة ومضمونه.

حقا إن لكل قبيلة لها حق المشاركة في حكم البلاد، لأن الصومال بلد يسكن فيه قبائل شتى، وعلاة على ذلك أن الشعب ليس بينه فوارق جوهرية، ولكن التصرف القبلي هو الذي جعل الشعب قطيعا من غنم يساق إلى مورد ليذبح نفسه بسكينتين؛ إما المعارضة بلا مبدئ وإما تأييد قبلي للحكومة بسبب أنه يرى الحكومة أو رئيس البلاد أنه من قبيلته؛ فأصبحو لا يبالون مبادئهم ولا يراعون مصلحتهم.

وصفية السياسية القبلية

يؤسفني جدا أن قادة السياسة الصومالية خاصة -ما يسمي بجمهورية الصومال الفدرالية وفيها صوماليلاند- لا يدرون إلى أين يوجهون الشعب، وليس لديهم نظرية سوى نظرية غنيمة الكرسي والمال، وشهوة الظهور والصدارة، فمثلا صوماليلاند والحكومة الحالية لا تعرف مصير الشعب بأي طريق يتجه مصيرهم؟!؛ فأصبحت غالبية أعضاء حكومة صوماليلاند لا يعرفون مصير الأمة وليس عندهم استراتيجية وتوجهات، وعن ماذا يختلف عن خصومه، بيد أنهم يعرفون من الاختلاف والتنوع أسماء الرؤساء وأسماء أعضاء القبائل، إلا أن هدف هذه الحكومة هو تصرف السياسة بعبارات رنانة ومنغمة لتضليل الشعب وتحصد الأصوات من بين أيديهم غفلة؛ ثم تدفع الأبواب في وجوههم!.

ومن جانب آخر فإن الحكومة الصومالية الفدرالية الآن هي أحسن توجها وأعمق سياسيا من الحكومات المتعاقبة للبلاد، فصارت السياسة توافق مصلحة البلاد تدريجيا، إلا أن النظرة القبلية تجعلهم ينظر إليهم بنظرة قبلية ثم يعارض بعضهم، والبعض الآخر -من القبائل التى ينتمي إليها رئيس الصومال الآن- يؤيدون الحكومة بسبب أنهم يرون أنها من منصبهم!، تلك هي مشكلتنا والمصيبة العظمى!

نظرية المؤيدين للحكومات بسبب القبلية!.

إن الظواهر التى تتبين صفات المجتمعات الصومالية بأن عنصر القبلية أقوى في الساحة ويسهل الوصول بها إلى قمة الدولة، ثم يتم التحالف بين السياسي والقبائل لا على أساس المبدأ والاستراتيجية، ولا على أساس مصلحة الأمة، فيضربون بفاههم أبواق الإعلام فينادون بأعلى صوتهم على أنهم درب مصلحة البلاد، فترى سياسيا يتكلم أمام حشد من الجمهور، ينادي بأسماء القبائل؛ هذه جاهلية حديثة!.

ومن العجائب والعادات التى ظهرت في مجتمعنا تجاه الحكومات المتعاقبة أنهم يؤيدون ويتابعون إذا كان رئيس الدولة أو رئيس الوزراء ينتمي إلى قبيلته!، أليس هذه عقول عارية، وفي نفس الوقت يعارض الحكومة التي قبلها بأنها فاسدة أو أنها ليست شيئا من القيمة الحكومية!، وهذه أنانية غاشمة!.

نظرية المعارضين للحكومات بسبب القبلية

إن توجه المعارضة الصومالية معظمهم لا يبنون رأيهم على أساس متين، وليس عندهم بديل يتعقب على الحكومات، فيعارضون الدولة بسبب القبلية، مع أنه يدعي مصلحة قبيلة؛ ذلك بأنه عندما كان رئيس البلاد من عشيرتي أو من أقربائي كان بني فلان يعارضوننا!، فكانت العاطفة أقوى من حالاتهم العادية، ثم يطعنون الرؤساء مهما كان أمرهم!.

وخير مثيل، أن مصير (شعب صوماليلاند) واد، والحكومة الحالية في واد آخر، فتشاهدون تلفزيون لهم ولوجههم تجاه الشعب، بينما الشعب يشاهدون تلفزيون آخر، وسبب ذلك أن هذه الحكومة لم تأت من قبل الشعب؛ بل جاءت عن طريق إحدى القبيلتين اللتان تحالفتا بحكم الولاية، ثم يرتكبون كل الجرائم ضد الوحدة، ويصوتون بصيحات لا نرى في جوء الصوماليين إلى الأبد، وانقسم الشعب إلى عشائر، ثم آثرت العداوة والبغضاء في المجتمع، فهم يقولون الآن لسنا منقسمين!، بعد أن كانوا يرثون عاقبة أمرهم!.

والمثال الآخر هو أن الحكومة الصومالية الفدرالية الآن، تأتي ما يسمي بأغلبية الشعب، فالرئيس فرماجوا ورئيس وزرائه حسن على خيرى يواجهون مشاكل الوطن بأحسن توجه، إذ يدعون بأنهم يريدون أشد الحاجة إلى دعم استقرار البلد، ولكن التحديات والعقبات تتوالى في الأمر، فالقبلية أصعب وأشد من الفتنه، وهي التى تقود المجتمع إلى التفرق، فترى أوساط مجتمعنا ناسا ينتمون إلى قبائل رؤساء الحكومة؛ فيأيدونها تأييدا أعمى، وهذا يسبب تقززا يهز أركان الوحدة!.

حال الأجيال الصوماليين الآن، عقولهم عامرة، أم عارية؟

إذا نظرنا موازين العدالة والمساواة بين الأجيال الصوماليين الناشئة -بدون تفريقهم- فإن معظمهم يتابعون على خطى أجدادهم، فيفتخرون أشخاصا من قبائلهم، ويرون أن الجاه والمناصب تأتي من زخم القبيلة ولا يبالي التطور والتقدم العلمي!، فالمتعلمون الصوماليون معظم تصرفاتهم الآن لا يبالون مستقبل وطنهم ولا مصلحة أمتهم، بل يعتقدون القبلية بأنها عنصر قوى ومتين، فترى شخصا متعلما يتبع عشيرته بالرأي والعاطفة سواء أكان صحيحا أم كان خاطئا!؛ إنهم يصرحون الباطل، ويتشاجرون بالعصبية، يوقعون ويصورون نجوما ملونة من القبلية، يدافعون ويتقاتلون بالنهب والعصبية، يعيشون على فكرة الجاهلية…

شيوخ عشائر الصوماليين، والمداهنة بمصير المجتمع!.

إن استمرار الوقت وتعاقبه سبب من أسباب إنحراف ثقافة المجتمع، فمثلا “السلاطين” الصوماليين الأوائل هم مسؤولون عن ثقافة مجتمعهم، حيث يعادلون بينهم، ويرثون المنصب السلطان كابرا عن كابر!، فكان هذا المنصب يمثل رئيس الدولة آنذاك، ولكن سرعان ما يحدث أن الوقت قد تغير، فشيوخ العشائر الآن معظمهم يمثلون آلة تدفع السياسة وتحرك الدولة ويوجهونها أي جهة تتجه السياسة ما يضمن مصلحتهم، أضف إلى ذلك فإن السلاطين هم عمال السياسيين، وهذا عيب على تقاليد الصومال!.

فأدعوا أبناء الصومال من كل أطرافهم أن يفرقوا بين مصلحة المجتمع ومصلحة السياسيين، وأن ينفردوا قيادة أمتهم.

العصبية والقبلية داء، ودوائها الوطنية والوحدة:

ظل التوجه السياسي في الصومال -بكل أطرافها- يشابه نوع من التفكك والانهدام بسبب ضمور الدور الفعلي للقبيلة السياسية، وعلاة على ذلك فأصبحت واضحة كوضوح الشمس في كبد السماء أن التفكك القبلي بلغ إلى حد المبالغة!، والحق يقال، إن الوطنية والقومية الصومالية هي التى توحد الشعب الصومالى بعد الإسلام، فترك العصبية والقبلية هي قمة لا يبلغها إلى قليل من الناس!.

وفي الختام، أقتصر بكلامي هذا … إذا كان مفهوم مقالي “الصوماليون: وطنيون قبليا ومعارضون قبليا!” لا بد أن نكون عكس هذا المعني، “الصوماليون: وطنيون قوميا ومعارضون تفككا”.

حسن عبد الرزاق عبد الله
حسن عبد الرزاق عبد الله
كاتب وباحث صومالي يحضر الدكتوراة في التربية - جامعة بخت الرضا- السودان

Share

اقرأ هذا أيضًا