أضواء على العلاقات الصومالية العمانية

المزيد للقراءة

تمثل العلاقات الصومالية العمانية عمقا استراتيجيا في العلاقات الإقليمية بما فيها العلاقات الثقافية والاقتصادية والتجارية والدبلوماسية، حيث تمثل سلطنة عمان التي تطل على بحر العرب البوابة الشرقية لخليج عدن الذي يمر بالأراضي الصومالية تمثل مركز ثقل سياسي دولي موثوق، وذلك لدور السلطنة الإيجابي في حلحلة العديد من القضايا الإقليمية والدولية المُعقدة مما أكسبها سُمعةً دوليةً لتكون صديقة للجميع.

تتمثل السياسية الخارجية لسلطنة عمان في الرؤية العميقة للصداقة مع الجميع، وذلك لتحقيق الأمن والاستقرار وتعزيز النمو الاقتصادي والتنمية الثقافية الضرورية لمستقبل الجميع، ولذلك فإن هذه السياسية الهادئة تمثل للصومال رؤية استراتيجية هامة.

بداية العلاقات الصومالية العمانية:

بقايا قصر السلطان برغش في مقديشو

بدأت العلاقات الحضارية بين عُمان وشرق إفريقيا ككل ببدايات الوجود العُماني في هذا المكان الجغرافي والإقليمي الحيوي منذ ألف سنة حيث كان العمانيون من أبرز التجار المسافرين إلى سواحل إفريقيا الشرقية، وترسخت هذه العلاقات من خلال الهجرات العُمانية إلى شرقي إفريقيا من خلال الهجرة العُمانية المنظمة الأولى والمتمثلة في الهجرة الجلندانية في القرن (١هــ/ ٧م)، ثم الهجرة العُمانية المنظمة الثانية والمتمثلة في هجرة النباهنة في القرن (٧هـ/ ١٣م) حيث ازدهرت الموانئ العُمانية (صحار، دبا، قلهات، مسقط، مرباط)، وازدهرت موانئ شرق إفريقيا: مقديشو وبرواة وكيسمايو وممباسا.

وأشهر الهجرات العمانية إلى شرق إفريقيا هجرة آل الجلندى (سليمان وسعيد أبناء عباد الجلندي) إلى سواحل إفريقيا الشرقية نتيجة لعدم تكافؤ الجيش الثائر مع حملة الحجاج بن يوسف الثقفي، خرج هذان الأميران فرارا من بطش جيش الحجاج، وكانت تلك الهجرة عام 82هـ إذ توجّها إلى أرخبيل «لامو» الكائن حاليا في كينيا على الساحل الأفريقي.

بعد استقرار الجلندانيين توسعوا ليشمل نفوذهم شمالا الصومال وجنوبا إلى رأس دلجادو. وقد استمرت المملكة التي أسسها الجلندانيون حتى عام٥٦٥ هـ. وفي سنة (٥٩٩ هـ) استقبلت باتي هجرة جديدة عرفت بهجرة النباهنة، ونتيجة للمصاهرة بين سليمان النبهاني وحاكم باتي، تنازل الأخير لسليمان عن السلطة.

وقد برز من بين أحفاده السلطان محمد بن أحمد بن محمد بن سليمان النبهاني (ت ٧٤٠ هـ) الذي توسعت في عهده السلطنة لتشمل معظم مدن الساحل الصومالي كتولا وكسمايو وبراوه ومركا وصولا إلى مقديشو، والتي أعلن السلطان محمد النبهاني نفسه حاكما عليها.

الدفاع العماني عن الساحل الإفريقي:

منارة مقديشو الشهيرة التابعة للقصر العماني، وتعرضت قبل شهر للدمار بسبب عدم ترميمها

ظلت الأراضي الساحلية الصومالية البنادرية المطلة على المحيط الهندي ضمن نفوذ المملكات العربية، حتى وصول طلائع المستكشفين البرتغاليين بقيادة فاسكوداغاما الذي وصل إلى الصومال سنة ١٤٩٩م.

وفي عام ١٥٠٥م أرسل الملك عمانويل الأول ملك البرتغال حملة إلى شرق أفريقيا بقيادة فرانسيسكوا دي الميدا، واستطاع الأخير في هذه الحملة السيطرة على المنطقة الممتدة من سفالة في الجنوب وحتى ممباسا وكلوة في الشمال.

تكون أسطول البوكيرك من ٤٠ سفينة،متوجها أولا إلى لمليندي وسيطر عليها، وبعدها توجه لمدينة براوة في الصومال ودمّرها، واثناء توجهه إلى مقديشو أشار عليه رئيس المرشدين بضرورة العدول عن اقتحام مقديشو والتوجه مباشرة لجزيرة سقطرى تحسباً لبدء موسم الرياح الموسمية، وبعدها تمكن البرتغاليون التمدد حتى سواحل عمان والسواحل اليمنية.

وكانت سلطنة عُمان تمتلك في وقت من الأوقات واحدة من أقوى الأساطيل البحرية المهيمنة في منطقة الخليج العربي وسواحل شرق إفريقيا، والمثير في الأمر أن سلطنة عمان قد استمدت قوتها بعد أن استطاعت هزيمة وطرد المحتل البرتغالي عن بلادها.

فقد خاض العمانيون سلسلة معارك مع البرتغاليين بدأت من مسقط عام 1649 إلى أن استطاعوا الانتصار والتحرر عام 1650، بعد احتلال دام طويلاً، ومنذ ذلك الوقت دخلت عُمان في عصرٍ جديد من القوة والازدهار والصراع على النفوذ مع البرتغاليين، بل إنّ بعض المناطق في سواحل شرق إفريقيا لا زالت تحتفظ بمعمار عماني.

وما أن علم سلطان عُمان بذلك حتى أرسل أسطوله مرة أخرى وحاصر قلعة ممباسا حصاراً طويلاً ومحكماً لأكثر من عامين، منذ عام 1696 إلى عام 1698، وتمكن من هزيمة البرتغاليين الذين أنهكهم الحصار والمرض، وطردهم من ممباسا بعد استسلامهم.

الحكم البوسعيدي لشرقي إفريقيا خاصة السواحل البنادرية الصومالية:

القصر العماني في مقديشو أثناء الاستعمار الإيطالي ويرفرف العلم الإيطالي عليه

استردَّ العمانيون زنجبار من البرتغاليين وطردوهم منها عام 1109 هـ/ 1698 م، فأنشؤوا فيها الحاميات وفي جزيرة بمبا وجزيرة كيلوا، وحتى عام 1886 كانت سلطنة زنجبار تمتد على طول ساحل أفريقيا الشرقي والمسمى (ببر الزنج) وبالخطوط التجارية الممتدة إلى عمق القارة الأفريقية.

في تلك الأثناء توطدت العلاقات الصومالية العمانية، وكان للعاطفة الدينية دورها في أن جعلت الصوماليين لا يجدون غضاضة في الاعتراف بسيادة الدولة العمانية على منطقة بنادر باعتبار أن حاكمها أقرب وأقوى حاكم إسلامي لهم في المنطقة.

ويعتبر السلطان برغش بن سعيد البوسعيدي الشخص الذي كان له الفضل الكبير في بناء مملكته في زنجبار وتمديد حكمه إلى الأراضي الصومالية.

خلال فترة الاضطرابات السياسية التي عاشت فيها المدن الساحلية الصومالية بعد سلطان هراب كان سعيد بن سلطان مؤسس الدولة العبية في زنجبار يعمل على تشجيع الحركات التجارية بين زنجبار وساحل الصومال (بنادر) فأقام عددا من النواب عن السلطان في مواني بنادر للقيام بأعمال تجارية وسرعان ما أصبح لهؤلاء النواب قوة وسلطة الحكام في البلاد ، وكان أول نائب للسلطان في مدينة مقدشوه يسمى سليمان بن أحمد الذي لقبه الصوماليون باسم الدوين (أبو عيون كبيرة) وكان ذلك في عام 1807

وفي عام 1888م عيّن سلطان زنجبار برغش ولاته إلى المدن البنادرية الصومالية منها مقديشو، حيث تم تعيين سليمان بن علي البوسعيدي قائد الجيش في زنجبار واليا على مقديشو، كان السيد سليمان شخصية بارزة في شرق افريقيا، كان شخصا معروفا بالهدوء وعدم التسرع في اتخاذ القرارات والشجاعة، وكان له دور في إطفاء النيران بين القيائل الصومالية.

وقد ارتبطت سطلنة مقدشوه بسلطنة عمان اقتصاديا وسياسيا وحربيا فترة طويلة من الزمن إذ كان لأئمة مسقط وسلاطينها نفوذ في منطقة بنادر وعاصمتها مقدشوه ولم تكن هناك أفكار ثورية في مقدشوه ضد رئاسة مسقط لبلادهم ما دامت تحميهم وتحمي تجارتهم من خطر التدخل الأجنبي ومراعاة التعاليم الإسلامية في البلاد وفي الوقت نفسه كانت الدول الإسلامية في مسقط تتكلف نفقات الجنود وتموين السفن والحروب .

الآثار العمانية في الصومال:

وتوجد في الصومال آثار النفوذ العماني في كل من مقديشو وبراوه، ففي مقديشو تم بناء قصر غريسا بأمر من سلطان زنجبار برغش بن سعيد، ويقع المبنى في منطقة تقع بين شنغاني وحمرويني ويتكون من طابقين.

وجاء في كتاب “الصومال قديما وحديثا” أنه يقال أن السلطان برغش لم ير مدينة مقدشوه رغم أن القصر قد خُصص فيه جناح للحريم وحجرة نوم كاملة للسلطان.

ويرى الأستاذ عبد الوهاب بن سليمان البوسعيد باحث في التاريخ العماني أن والده سليمان بن علي البوسعيدي كان يقوم بأعمال القضاء ويمارس مهامه في هذا القصر، وقد تم تحويل القصر عام 1933 إلى متحف من قبل الإيطاليين وكان يوجد فيها مخطوطات وسيوف وآثار وخناجر وملابس وغيرها.

ومن أبرز معالم مدينة براوه الأثرية، قصر سيد برغش الذي ما زال موجودا إلى الآن.

تم تعيين سالم بن حمد بن سعيد واليا على مقديشو في عهد السلطان علي بن سعيد سلطان زنجبار بعد وفاة السلطان برغش، وكان يعيش في قصر غريسا في مقديشو  وتم تعيينه لاحقا واليا على مركه.

نهاية النفوذ العماني في ساحل بنادر:

في عام 1888 طلبت الحكومة الإيطالية من قنصلها المدعو فيلوناردي في زنجبار أن يدخل في مفاوضات رسمية مع سلطان زنجبار بشأن التنازل عن نهر جوبا أو منطقة كسمايو أو ما يمكن التنازل عنه من الستين ميلاً الباقية من ساحل صوماليا التي تقع إلى الجنوب من خط الأستواء مباشرة بالشروط المعروفة التي حصلت عليها شركة ماكينون البريطانية.

اشتد الصراع السياسي بين إيطاليا و السلطان برغش، وحدث تدخل من الدول الأجنبية (بريطانيا و ألمانيا) وتعرّض لسلطان زنجبار العماني لضغوط من قبل الأوروبيين، لكن أعلن الشيوخ الصوماليين لسلطان زنجبار بأن بلادهم لن تكون خاضعة لحكم أجنبي ليس على دينهم و لا تخضع إلا لحكم وطني نابع من أرض الصومال

وكان لهذه الثورة الصومالية التي نشأت في المدن الساحلية مثل ورشيخ وعدلي ومقدشوه و براوه وكسمايو وغيرها، قد عمت كل بقعة على الساحل وفي الداخل مما قدم للسلطان صورة حية واضحة لا غموض فيها عن تلك الأوضاع في الصومال المسلم، فبارك السلطان هذا الشعور الصومالي السليم، وأعلن صراحة عن تأييده لمطالب الصوماليين، و عزمه الثابت في عدم منح أي بقعة صومالية لأي أجنبي، وبعد سنوات قليلة استولت الشركات الإيطالية والبريطالية على ساحل الصومال.

Share

اقرأ هذا أيضًا