اليوم جمعة، ونحن بعد أسبوع من مجزرة نيوزيلاند الأليمة. كانت الأنظار مشدودة إلى حيث الحدث، إلى أقصى نقطة معروفة ومسكونة في شرقي المعمورة والتي اكتشفها أبل تسمان الهولندي 1642 م ثم جيمس كوك البريطاني 1769 م. حضور الحدث كان كبيراً، والذين لم يحضروه منا بأجسامهم حضروه بقلوبهم وشعورهم وأحاسيسهم إما في خطب الجمعة في بلدانهم أو أمام شاشاة التلفاز. خطيبنا لم يشذ عن هذه القاعدة حيث تناول الموضوع كغيره من الخطباء كل حسب طريقته من خلال أهمية الموضوع لديه أو الهامش من الحرية الذي يتمتع به في بلده.
في نيروبي/ كينيا، خطيبنا اليوم حفظه الله ورعاه أحد أشهر الدعاة من أبناء الصومال الشيخ محمد عبدي أمل. رجل أحترمه وأقدره، مشهود له بالعلم الشرعي ومتمكن في اختصاصه، غيور على دينه ومهتم بقضايا الأمة وله وزنه وثقله في هذا البلد.
كانت الخطبة سياسية بامتياز وفي محلها. تحدث الشيخ عن سبب ذهاب المسلمين إلى بلاد الغرب وهو الظلم والفساد والتشرذم والاختلاف والدمار الحاصل في بلدانهم، ولو أن بلدانهم كانت هادئة مستقرة توفر لهم حياة كريمة لما اضطروا إلى الهجرة هناك ولما تعرضوا للمجازر؛ وعليه فليتكاتف المسلمون لإصلاح بلدانهم ليعود المهاجرون إذا ضاقت الأمور عليهم في المهجر. كما أنه أوصى ببعض الوصايا المهمة للجاليات المسلمة في الغرب كالتمسك بدينهم وقيمهم ودعوة الناس إليها وحسن معاشرتهم. ازدواجية الغرب، عنصرية ترامب، الاشتباك بينه وبين النائبة المسلمة إلهان عمر، المتطرفون اليمينيون في الغرب كلها محطات وردت في الخطبة صعوداً ونزولاً.
إلا أنني أتوقف عند ملاحظتين مهمتين باعتقادي أن الخطيب لم ينصف ولم يتحقق التوازن فيهما. وفي حال اختل التوازن والإنصاف في الكلام فإنه يفقد رونقه وقوته ثم التأثير المرجو منه.
أولاً: التعميم المتبادل: بطريق أو بآخر ، بالتلميح حيناً و بالتصريح أحياناً حمل الخطيب الغرب كله بما حدث للمسلمين في نيوزيلاند أو في غيرها من الأماكن. هذا مع أن الشيخ طالب الغرب بعدم أخذ جميع المسلمين جريرة بعضهم وهم القلة. فكيف يستقيم هذا؟ أن نطالب العدالة والإنصاف لأنفسنا وقضايانا ونتخلى عن هذا المبدأ عندما يتعلق بالأخرين ولا نعطيهم ما نطلبه لأنفسنا؟ والغريب ولكي يثبت الشيخ هذه النظرية وبأن الغرب كله مجتمع على ما حدث ويحدث لنا، فإنه تجاهل بالكامل جميع الخطوات التي أخذتها الحكومة النيوزيلاندية وزعيمتها بعد المجزرة لإبداء التعاطف مع الجالية المسلمة هناك أولاً وتخفيف الضغط عنهم ثانياً وأهمها تغيير قوانين حمل السلاح في البلد لعدم التكرار ما حدث، وكما فعلت حكومات غربية أخرى لنفس الهدف في أماكن وأوقات أخرى.
ثانياً: نظرية الخوف المتبادلة: نصح الخطيب مسلمي الغرب بأخذ الحيطة والحذر في نظرتهم للمستقبل وعيشهم في الغرب وهي نصيحة طبيعية لا تشوبها شائبة. إلا أن ما يضفي إليها الغرابة هو كونها تنطلق من نظرية مقابلة ومعاكسة ومناقضة لأخرى موجودة لدى متطرفي الغرب ويمينيي أوروبا. وهي بأن الأحزاب اليمينية المتطرفة في أوروبا قوية حالياً وسيكون لها المستقبل والحكم في أوروبا بعد فترة؛ بينما يدغدغ يمينيوا أورويا عواطف الغربيين بأن بلادهم ستصبح مسلمة باحتلال المسلمين لها خلال الثلاثين السنة المقبلة ومعظم عداوتهم للجاليات المسلمة مبنية على هذه النظرية.
إذن هي نظرية متبادلة وخوف وتخويف مقابل خوف وتخويف. وباعتقادي أن الإثنين بعيدان عن الواقع، ولديهم إما نقص في المعلومة أو نقص في التحليل، أو أن الخطابين الهدف منهما تسجيل نقاط على الآخر بادعاء كل منهما أنه مهدد من الآخر وأنه في حالة الدفاع عن النفس. صحيح أن الإسلام سينتشر أكثر في أوروبا وأن المسلمين في ازدياد فيها، وإلى جانب هذا ستزداد قوة ونشاط متطرفي الغرب ولكن وحسب المعطيات الحالية فلا أوروبا ستصبح مسلمة خلال العقود القادمة، ولا الأحزاب المتطرفة ستصل إلى الحكم في الغرب خاصة إذا نجح المسلمون استغلال الشرخ الحاصل حالياً بين الغربيين أنفسهم.
مقصدي من هذا التعليق هو أن يكون الخطاب الإسلامي وخاصة من الدعاة أصحاب التأثير مميزاً عن غيره من الخطابات، وأن لا ينزل إلى مستوى الخطابات الشعبية هنا وهناك التي لا تفرق بين الغث والسمين. أن يكون الخطاب متوازناً ومنصفاً في تأصيله وتحليله، وأن يرقى إلى مستوى الحدث ليلعب المسلمون الدور الريادي المطلوب منهم وليس أن يبقوا في دائرة رد الفعل فقط. أن يكون الخطاب متقدماً في طرحه ومعالجته للأمور واستشفافه للمستقبل بدلاً من أن يقيس أو يقارن نفسه بمتطرفي الغرب وأصحاب العقول الضيقة منهم.
وفي الحقيقة الغرب اليوم ليس غرباً واحداً، وعلينا أن نحاول زيادة الفجوة فيما بينه وخاصة إذا نجح خطابنا في استقطاب المعتدلين والمنصفين إلى جانبنا. وهناك كثير من النخب الغربية ومن ساستهم ينصفون المسلمين ويفرقون بين الصالح والطالح وبين الجاني والبريء، فلماذا يكون لهم السبق وليس لنا. ترامب والأحزاب اليمينية لا يمثلون إلا عنصريي الغرب، وهناك رفض كبير لهم ولسياساتهم العنجهية المتطرفة في داخل أمريكا وأوروبا. فلماذا نضعهم في سلة واحدة؟ كما لا نقبل في حال فعلوا ذلك.
















