الصومال بين البكاء على الوطن وبناء الدولة

المزيد للقراءة

الصومال بين البكاء على الوطن وبناء الدولة
«الكل يبكي على الوطن، ولا أحد يزرع في رصيفه وردة».
هذه العبارة لا تصلح توصيفًا عامًا فحسب، بل تكاد تكون مرآة دقيقة للحالة الصومالية في لحظتها الراهنة؛ حيث يكثر الحديث عن الوطن، وتعلو نبرة القلق على مستقبله، بينما يبقى التحدي الحقيقي هو تحويل هذا القلق إلى فعل سياسي يحمي وحدة البلاد وسيادتها.
في الصومال، لا نقص في الخطاب الوطني. السيادة حاضرة في البيانات، والوحدة تتصدر العناوين، والخطر الخارجي يُستدعى في كل مناسبة. غير أن الإشكال لا يكمن في غياب الشعور الوطني، بل في هشاشة ترجمته إلى سياسات ومؤسسات قادرة على تحصين الدولة من التفكك والتدخلات.
البكاء على الوطن، حين يتحول إلى بديل عن العمل، يصبح جزءًا من الأزمة. فالدولة لا تُحمى بالشعارات وحدها، ولا تُصان السيادة بالخطب، بل ببناء مؤسسات قوية، وبسط سلطة القانون، وتعزيز الثقة بين المركز والأقاليم، وتجفيف الفراغات التي تتسلل منها المشاريع الخارجية.
زرع «الوردة» في الحالة الصومالية يعني بناء دولة عملية لا رمزية؛ دولة يشعر المواطن فيها أن وحدتها تخدمه، لا تُستخدم ضده. ويعني أيضًا إدارة الخلافات الداخلية ضمن إطار دستوري وسياسي جامع، لا تركها فريسة للاستقطاب والتدويل. فكل انقسام داخلي غير مُدار هو رصيف مهمل، قابل لأن يُزرع فيه مشروع مضاد للدولة.
إن أخطر ما يهدد وحدة الصومال اليوم ليس فقط الطموحات الانفصالية أو الأطماع الخارجية، بل ضعف الدولة في تقديم نموذج عادل وفاعل لمواطنيها. حين تغيب الخدمات، وتتآكل الثقة، يصبح الحديث عن السيادة مجرد خطاب دفاعي، لا عقدًا وطنيًا جامعًا.
السيادة لا تُحمى بالإنكار، بل بالإصلاح. والوحدة لا تُفرض بالقوة، بل تُبنى بالمشاركة، والعدالة، والتنمية المتوازنة. وكل سياسة لا تُنتج أثرًا ملموسًا في حياة الناس، تترك فراغًا يُملأ بالشك، ثم بالتمرد، ثم بالتدخل الخارجي.
في الصومال، المطلوب اليوم هو الانتقال من وطن يُستدعى في الأزمات إلى دولة تُدار في الأيام العادية. من خطاب يعدد الأخطار إلى سياسات تقلل أسبابها. من بكاء مشروع على وطن مُثقل بالجراح، إلى عمل مسؤول يزرع الثقة، والمؤسسات، والفرص.
فالأوطان لا تنهار دفعة واحدة، كما لا تُبنى دفعة واحدة. إنها تُهمل تدريجيًا… أو تُرمَّم تدريجيًا. وبين الإهمال والترميم، تقف مسؤولية النخب السياسية، والإدارية، والمجتمعية: إما أن تواصل البكاء على الصومال، أو أن تبدأ بزراعة وردته الأولى في رصيف الدولة.

عبد الرحمن سهل يوسف
عبد الرحمن سهل يوسف
مدير مركز الصومال لتحليل الأزمات

Share

اقرأ هذا أيضًا