هناك حدث ظريف لا أنساه ما حييت. في أحد الأيام، دعانا صديق عزيز من أبناء الجنوب إلى العشاء، ونحن نجلس ونتحدث على عتبة باب بيته.
سأله رفيقنا الذي كان معنا بكل براءة: “وما هو عشاؤكم الليلة؟”
والحقيقة أن الضيف لا يسأل أهل الدار عن نوع طعامهم، فهذا ليس من العرف ولا الأدب، وتلبية الدعوة أمر ضروري.
صديقنا الجنوبي، بعفوية الأبغاليين وعدم تكلفهم في الكلام، أجاب ببساطة: “Cambuulo!”
هنا انزعج صديقنا الآخر وقال له: “إن كان بوسعك أن تقدم لي باستو فأنا أدخل بيتك، وإلا فلا!”
اندهش الأبغالي وقال بكل براءة: “أدعوك لعشاء فاخر وتتحدث عن الباستو؟!”
لم أعرف نسب صديقي الآخر، وأغلب ظني أنه داروودي، ولعلّه اعتبر دعوة الأبغالي له إلى طعام بقوليات وفول وفاصوليا استخفافًا، بينما الأبغالي كان سعيدًا للغاية بدعوته لنا إلى أفضل وجبة يمكن أن يقدمها لشخص ما. وفعلاً، العمبولو أفضل ألف مرة من الباستو — أعترف بهذا رغم أنني من عشاق الباستو.
الرجل أكرمنا حقًا حين استضافنا بأكثر طعام يتم تناوله ليلاً في الصومال، وهو أعز طعام لديه. ومن ساوَاك نفسه فما ظلمك، ومن استضافك بقوت يومه ووجبته المفضلة فقد أكرمك حقًا.
ومن الأشياء العجيبة، أن المجيرتين يأكلون العمبولو في أماكن بسيطة، بلا أضواء قوية، ويحبونه حبًا جما، ثم يصفونه بعبارة: “باستو الهوية”.
وقد حدثنا معلمنا في الثانوية أنه حضر ذات مرة وليمة أو لبى دعوة، فقدّم للضيوف العمبولو مع الشاي. فأكلها بشهية، ثم شبع وحمد الله وجلس. وبعد قليل، رأى اللحم وأطباقًا أخرى مما لذ وطاب من الطعام المقدم للضيوف، ففهم أن العمبولو كانت مجرد مقبلات للوجبة الأساسية، وأنها تقدم لأنها جوهر الطعام عند الأبغاليين.
ثم نظر إلينا المعلم وقال ثلاث مرات وهو يوصينا بحماس:
“عليكم بالأبغاليات! عليكم بالأبغاليات! عليكم بالأبغاليات!”
وأما عن أفضل عمبولو فهي التي تُعد بذمة وضمير، ويؤكل من بعضها ليلا ، ثم يؤكل مما بقي منها صباحًا، وما يؤكل منها صباحًا مع المعصرو والموز يُعتبر من أحلى الأطعمة في الوجود.
وجرت العادة عند الأبغاليين، وهم أهل الكرم والضيافة، وأهل التكايا والزوايا والسادة الصوفية، وأبناء الطرق الصوفية، أن يُقدَّم للضيوف العمبولو بعد أداء صلاة العيد، ومع شاي العصرية، وفي بداية الوليمة، لأن العمبولو عندهم سيد الطعام.
عبدالرحمن راغي علي

