المفكّر بين المصطلح والواقع.
من اللافت في واقعنا المعاصر انتشار مصطلحات رنّانة تُتداول في المنابر الإعلامية والمؤسسات الاجتماعية، دون أن تكون محددة المعالم أو متفقًا على مضامينها بدقة. ومن أبرز هذه المصطلحات: “المفكّر”. وهو لقب يُمنح أحيانًا بسهولة، حتى بات من المشروع التساؤل: من الذي يملك حق تحديد هذا المفهوم؟ وهل هناك معايير واضحة تميّز بين المفكّر الحقيقي ومن يدّعي هذه الصفة؟
قبل الخوض في جوهر الموضوع، يجدر التنبيه إلى أن كثيرًا من هذه المصطلحات لم تكن متداولة قبل سنوات قليلة، بل ظهرت حديثًا في سياقات فكرية وإعلامية معينة. والأكثر غرابة أن بعض الأفراد يحصلون على هذه الألقاب اللامعة دون مسار علمي واضح أو جهد معرفي يُذكر! فهل هناك شروط محددة يجب توافرها لنيل لقب “مفكّر”؟ وهل لهذا اللقب أدوات ومهارات عملية يمكن قياسها؟ ومتى يمكن القول إن الإنسان قد بلغ هذه المرتبة؟
تتزايد التساؤلات حين نلاحظ غياب مؤسسات أكاديمية أو برامج تعليمية متخصصة تُخرّج مفكرين كما هو الحال في تخصصات الطب والهندسة والشريعة، حيث لا توجد شهادات معترف بها في صناعة المفكر، ولا هيئات علمية تمنح هذا اللقب وفق معايير مضبوطة.
ومن هنا يظل المجال مفتوحًا لكل من شاء أن يقدّم نفسه على هذا النحو، مما يطرح إشكالية حقيقية في التمييز بين المفكر الجاد، وصاحب الطرح السطحي أو المنحرف.
ويمكن ان نلاحظ أن بعض من يميل إلى تبنّي لقب مفكّر،هم أولئك الذين لا يملكون رصيدًا علميًا أو رتبة أكاديمية واضحة، فيجدون في هذا اللقب فضاءً مفتوحًا لتعويض ذلك النقص أو القفز على المراحل الطبيعية للتحصيل العلمي. وهنا تتعاظم الإشكالية، إذ يتحول اللقب من وصف لحقيقة علمية إلى وسيلة للترويج الذاتي، مما يفرغه من مضمونه ويضعف قيمته.
بل إن هذا الانفتاح غير المنضبط أتاح للبعض استغلال المصطلح لتمرير أفكار تتجاوز الثوابت، أو تُحدث لبسًا بين الحق والباطل، خاصة مع تأثر بعض التيارات الفكرية الحديثة بمدارس غربية نشأت في سياقات فلسفية ومادية مختلفة. وقد أدى ذلك في بعض الأحيان إلى طرح أفكار صادمة، تصل إلى حد إنكار مسلّمات دينية أو التشكيك في ثوابت قطعية، مع تقديم أصحابها باعتبارهم “مفكرين” أو “مجددين”.
وفي خضم هذا الجدل قد يُقال لكل متابع أو قارئ: “أنت مفكّر”، في محاولة لتعميم اللقب وتبسيطه. لكن السؤال الذي يفرض نفسه: ما الذي يمنعك فعلًا من أن تكون مفكرًا؟ هل هو غياب الشهادة؟ أم نقص الأدوات؟ أم غياب المنهج؟ الحقيقة أن التفكير في حد ذاته متاح للجميع، لكن “الصفة” لا تُمنح إلا لمن استوفى شروطها من عمق معرفي، وانضباط منهجي، وقدرة على التحليل والتركيب، وإسهام حقيقي في بناء الوعي.
لقد وردت الإشارة إلى التفكير في القرآن الكريم في مواضع متعددة، تحث الإنسان على إعمال العقل والتدبر، مما يدل على أهمية التفكير في بناء الوعي والإيمان. غير أن هذا التفكير ليس عبثيًا، بل منضبط بضوابط الوحي والعقل السليم.
أما تعريف “المفكّر”، فقد اختلفت فيه الآراء، فهناك من يراه صاحب إنتاج فكري ومعرفي واسع، وآخرون يعدّونه من يشتغل بالعلم أو الأدب ويُسهم في تشكيل الوعي العام، بينما يذهب فريق ثالث إلى اعتباره شخصًا ذا مكانة ثقافية بارزة وخبرة عميقة في مجاله. ومع ذلك، تظل هذه التعريفات قاصرة عن تقديم معيار جامع مانع يمكن الاعتماد عليه.
ومن هنا، تبرز الحاجة إلى إعادة ضبط هذا المصطلح، ووضع معايير واضحة تميّز بين المفكّر الحقيقي وغيره. فالمفكر ليس مجرد لقب يُتداول، بل مسؤولية علمية وأخلاقية، تتطلب رسوخًا في المعرفة، وصدقًا في الطرح، والتزامًا بالحق، وقدرة على النقد البنّاء لا الهدم، وعلى الإصلاح لا الإثارة.
وفي الختام، لا يمكن إنكار وجود مفكرين حقيقيين أسهموا في بناء الوعي وإثراء الفكر الإنساني، كما لا يمكن إنكار أهمية التفكير الإيجابي والناقد في نهضة الأمم. لكن الإشكال يكمن في إطلاق الأوصاف دون ضوابط، مما يفتح الباب للفوضى الفكرية. لذلك يبقى السؤال مفتوحًا: كيف نضع الحد الفاصل بين المفكّر والمُدّعي، لنحفظ للمصطلحات قيمتها وللفكر مكانته؟

