الرئيسية » مقالات » حتى لا ننسى (١)

حتى لا ننسى (١)

ورغم شراسة المعلمين أثر فيني شاعر لغوي. ولئن كان ميخائيل اكيموفيتش سموري مدخل الكاتب الروسي الكبير غوركي في الأدب والكتابة فالأستاذ الذي أحفظ له ودا خالصا إلى يومنا هذا كان قدوتي في العلم واللغة وفنون المعرفة. ما أنس لا أنسى التماسه النادر وتأثيره في المدرسة وفي الملجأ ولمسته الأدبية والفكرية. لقد تعلمت منه الكثير وأثرني كشاعر، وكمرشد، وكأديب لم يجد الوسط الثقافي الذي يشجعه على الإنتاج والإبداع الأدبي. السرد المتقن والتقنية الأدبية لمعظم نصوصه، وحبكة شعره، ومعرفته في أسرار اللغة كانت تدهشني وتذهلني دوما. وهنا أعترف ومثلها يجب الاعتراف لم أر في حياتي عالما أحاط فنون اللغة ومفردات العربية وتراكيبها وتاريخها مثل أستاذي الراحل عبد الله شيخ محمد الذي على يديه دخلت عالم القراءة الرحب بكل أنواعه وفنونه وملذاته وأمواجه.

كان رحمه الله عالماً من الجمال والأنس والإبداع والأفكار. وكان شخصية محبوبة في أوساط الطلبة وعامة الناس، مرحا باسما ذا حس فكاهي، كما كان موسوعة لغوية وذاكرة مليئة بالشعر العربي والصومالي على السواء. كان يكتب عن المواضيع الأكثر تداولا في الأدب الصومالي مثل الحروب والمعاناة الإنسانية والبحث عن السلام المفقود، والأشجان التي يعيشها الصومالي في القرن الواحد والعشرين إلى جانب التغني بالماضي والحنين إلى حياة الريف. ولم ينس الحب وتقديس الحياة، وذم الغربة والشتات. وكنت أغبط حفظه وإتقانه.

في بداية الألفية الثالثة وعندما بدأت أدرك ما يدور حولي وأضيف عليه آرائي بدأ يحدثني يوجهني ويثقفني ويعلمني عن عادات الشعوب، وتنوع الثقافات، وجمالية الشعر، وعمق الأدب، وورقة الأغاني، والسياسات العالمية، والتحالفات السياسية والاقتصادية والعسكرية، والمنظمات الأممية والقُطرية، والكتب وقيمتها، وعن المطالعة الحرة وكيف تبني العقل وتغذي الروح، وتوجه الإنسان نحو الخير والسعادة والإيجابية، وكيف تجعل القراءة الإنسان واعيا مفكرا متميزا ومختلفا عن الغير بفكره ورؤيته وعلمه وأطاريحه وثقته بنفسه، وعن أيامه في مقديشو عندما كان طالباً ينام في البراري أو في باحات المساجد أو حتي الأسواق.

كنت قريبا لمجلسه محببا لنفسه، في حين كان الآخرون يهابون ويفرون منه، لأنه لمح مني نبوغاً ولمس فيّ حب القراءة والشغف، فأعطاني نصائح وتوجيهات كنت في أمس الحاجة إليها. ركز الأستاذ الحديث عن الكتب والترغيب فيها، وبعد أن لاحظ أن البيئة لا تساعد أحداً وأن أمواج الطفولة كادت أن تغرقني وتبعدني عن المسار الصحيح، بدأ يجبرني على قراءة الكتب الدينية واللغوية دون أن أفهم شيئا عنها، وكان يراقبني ويوليني اهتماما خاصا وأنا في بداية المرحلة الدراسية. في حينها كنت أبحث السلم الأولى لدخول عالم العلم والثقافة، وكان ينوى أن يترك بصماته على قلبي وعقلي الذي كان يمر في طور التشكل والبناء. وبعد مرور الزمن أصبحت مدمنا للقراءة بفضل هذا المربي المتفاني الذي أحببته وأصبح شعلة مضيئة في حياتي.

كان يملك مثل الكثير من الصوماليين إلى جانب قريحته الشعرية وملكته الكتابية موهبة سرد القصص، وكان لديه ميل إلى تذوق النص والتعمق في الرنّة اللغوية والنقد والأدب المقارن والدراسات الصوتية، وكان ينتمي فكرياً إلى مدرسة الإحياء والبعث، لذا لم أستغرب أن يدور حديثه حول جزالة الألفاظ وقوة الكلمة وبراعة الاستهلال وسلاسة الأسلوب، وكان حافظ إبراهيم وقصيدته «اللغة العربية» مرتعه الآسر، والشوقي شاعره المفضل في الحقبة الحديثة. أما الصعاليك وشعراء المعلقات والمخضرمين فكانوا في مخيلته قمة في الأدب والشاعرية وأهرام راسخة تحيطهم هالة من القداسة الأدبية.

#يوم_المعلم_العالمي

#كنت_يتيما

Share This:

عن حسن محمود قرني

حسن محمود قرني
كاتب ومدون صومالي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *