الرئيسية » مقالات » خواطر دعوية (١٦) الشفافية والرقابة المالية في المراكز الإسلامية الصومالية

خواطر دعوية (١٦) الشفافية والرقابة المالية في المراكز الإسلامية الصومالية

المحاسبة والمسائلة والرقابة المالية من أهمّ وأعظم أركان وقواعد بناء الأمم والمجتمعات القديمة والحديثة ، وكل نظام أو مؤسسة أو شركة خاصة كانت أم عامة ينجح في تفعيل هذا البند وتوظيفه بصورة شفافة ، مؤهل للبقاء والاستمرار والعطاء والنجاح ، وكل مرفق من مرافق الحياة يفشل في تحقيق أدنى مستوى مقبول من شروط المراقبة المالية ، فهو آيل للسقوط والانهيار ولو عاش برهة من الزمن وتظاهر بالعافية والقوة .

والمقصود من الشفافية والرقابة المالية هو التأكد من أن الصادرات والواردات وما يتعلق في أمور المالية منقولة كانت أو غير منقولة ، قليلة أو كثيرة ، تأخذ مجراها الصحيح في كيفية التصرف بها وفق التعليمات والشروط التي وضعت لها ، ولا تتعرض للتلاعب أو التحايل على الأنظمة المنظمة لها .

يوجد في العالم اليوم جامعات ومعاهد ومكاتب دولية أو قطرية متخصصة في تدريس وتدريب العاملين في مراقبة وتدقيق الأنشطة المالية للمرافق العامة والخاصة ، وتعطي الشهادات لكل مؤسسة تستكمل وتطبق بصورة صحيحة التعليمات المرفقة والمصاحبة لكل ما له علاقة بإدارة المال وحسن التصرف فيه  .

ولأهمية هذا الموضوع يوجد نوعان من المحاسبين والمدققين الماليين  : مدقق  داخلي (  Internal Auditor ) ومدقق خارجي  ( External Auditor).

فالمدقق الداخلي مهمته بمتابعة وتسهيل استمرار عمل المؤسسة المالية بصورة سلسلة ، وإصدار التقارير الموسمية أو السنوية  ، وبما أن المدقق الداخلي موظف قد يخضع لضغوط مرؤوسيه سواء بالترغيب أو الترهيب أو قد يرتكب نفسه بمخالفات مالية لا تفطن الإدارة العامة في كشفها بسهولة، تضطرّ الحكومات والمؤسسات والشركات باستدعاء وإشراك مدققين ومحاسبين خارجيين مستقلين لا يخضعون لتأثير طرف آخر مهما كانت سلطته ، للتأكد من مطابقة وملائمة التقرير المالي للقواعد الصحيحة.

كثير من الناس يصابون بالهلع والخوف أو بعدم الارتياح والاطمئنان بمجرد سماعهم كلمة المحاسبة والمساءلة المالية ويعتقدون بأنها اتهام مبطن لممارسة السرقة أو الاختلاس أو التصرف بدون وجه صحيح ، معتقدين بأن الأمانة والثقة كافية وما عدا ذلك فهو مضيعة للوقت وإساءة للقائمين على العمل .

وليس الأمر كذلك بل الهذف من التدقيق الحسابي هو التأكد من أن الصادرات والواردات المالية تأخذ مجراها الصحيح ولا تتعرض لأي تلاعب ، لأن ذلك يوفر جهدا أقل في تقديم خدمة أفضل ووقت أقصر في مشاريع التنمية وارتقاء الإنتاج وتكثير الربح وتقليل المصاريف .

المصدر الرئيسي لميزانيات المراكز الإسلامية الصومالية في المهجر بناءً وترميما وتسييرا لأعمالها اليومية من رواتب أو دفع إيجار أو أنشطة دعوية أو غير ذلك من احتياجاتها  تأتي من قبل المتبرعين الصوماليين ومن المسلمين من جنسيات أخرى ، ولا تتلقى هذه المراكز دعما حكوميا إلا في نطاق محدود من بعض البلدان العربية أو الغربية . والغريب أن غالبية هذه المراكز لا تعرف ولا تتعامل مع قانون الشفافية والمحاسبة المالية بل تعتمد على مبدأ الثقة والأمانة ، وحسن الظن بالمسلم ، وما دام يقوم بعمله ويقدم المركز خدمته للمجتمع فلا داعي لهذه الوسوسة التي لا طائل من ورائها  .

قلت : هذا النوع من التفكير السطحي ينتشر في وسط العاملين في الحركات الإسلامية والجمعيات الخيرية والمراكز الإسلامية  إلا القليل منهم ، وقد ذكر الدكتور عمر إيمان في كتابه ” تجربة المحاكم الإسلامية الصومالية ” قصة من هذا النوع فقال : ( ولا ينقضي عجبك إذا علمت أن مسؤولا على مكتب من المكاتب التابعة للمحاكم استلم ميزانيته المخصصة لذلك المكتب ، وحينما طولب برد الحساب عن مصروفات تلك الميزانية ، استغرب جدا ، وفهم إن مطالبته بذلك اتهام له بالخيانة والفساد ، وهذا في نظره لا ينبغي في أوساط المحاكم ، ولا بد إذا من الثقة المتبادلة بين الرئيس والمرؤوس ، فإن لم يكن كذلك فإنه يقدم استقالته من العمل كلية . وهذا الأخ وكثير غيره قد يكون على هذا المستوى من الطهارة والعفة ، ولكن هل سمعتم في التاريخ دولة تدار بحسن النية والثقة العمياء ) .ص ١٤٠ – ١٤١.

لا تعني المحاسبة والمسائلة المالية تجريما لأحد بدون سبب بل تقويم وتصحيح لمسار العمل وتحقق لوصول كل فَلس إلى  مكانه الصحيح .

تعاني المراكز الصومالية سيلا من المشاكل المالية ويتناقل الناس قصصا وروايات حول التسيب المالي وهذر الموارد الشحيحة بصورة مكشوفة ، وعدم وجود قواعد مالية تنظم في كيفية التصرف ، بل تعتمد على الارتجالية والأوامر الشفوية ،  وهذه الاشاعات أثرت سلبا في موارد كثير من هذه المرافق الهامة للجالية المسلمة . ولأجل تقاعس القائمين على المراكز وعدم استجابتهم لمتطلبات شروط التصرف في المال العام  لا يوجد كشف شهري أو سنوي لمداخيل ومصاريف المراكز ، وعدد العاملين فيها ، والأعمال التي يقومون بها وغير ذلك من الأمور المتعلقة في هذا المجال .

وبسبب عدم وجود الشفافية والمحاسبة المالية يمكن أن يستخدم تبرعات المراكز في غير ما جمع لها ،  أو أن تتصرف الإدارة بحسب هواها دون مراعاة نظام الصرف  أو يتم نقل تبرعات المركز إلى مكان آخر من دون علم الواقفين  ، أو يتم  المتاجرة  بها من غير موافقة المتبرعين وتكون عرضة للخسارة  ، أو أن تتحول خزينة المركز دكانا تقدم القروض لبعض المتنفذين  ، أو أن يتم التوظيف بالمحاباة بسبب قرابة أو انتماء حركي أو منفعة متبادلة أو إرضاء طرف معين ، وقد يتم صرف رواتب من لا يلتزمون بشروط العمل أو لا يؤدون واجباتهم بصورة صحيحة  .

وأخيرا ينبغي للمراكز الإسلامية الصومالية في كل مكان تطبيق مبدأ الشفافية والمساءلة المالية في مرافقهم وإظهار المرونة في تعاملاتهم في الإيرادات والمصاريف ومصارحة المجتمع حول الوضع المالي للمراكز لكي تؤدي دورها بصورة صحيحة ونظيفة وإلا فليستعدوا للتهم والاشاعات التي تسيئ إليهم ولمكانة الدعوة وانسيابها بدون مشاكل .

Share This:

عن د.عبد الباسط شيخ إبراهيم

د.عبد الباسط شيخ إبراهيم
كاتب مهتم بالشؤون الفكرية والدعوية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *