أول قصة حب انسانية على ظهر الارض حب ابينا آدم لأمنا حواء. وقد كان حبا صافيا لا تشوبه الشوائب ولا يخاف منه الضرائر، ويروى أن الملائكة سألت آدم هل تحب حواء؟ فقال نعم، ثم سألوا حواء هل تحب آدم؟ فاجابت بالنفي، مع ان قلبها كان مشغوفا بحبه، ويقال انه بعد هبوطهما الى الارض بدأ كل منهما يبحث عن الاخر، فكان ابونا آدم عليه السلام يبحث عنها في النهار ويستريح في الليل، واما امنا حواء فكانت تبحث عنه ليلا ونهارا. ولما التقيا اخبرها انه كان يبحث عنها في النهار ويستريح في الليل، ثم سالها ما اذا كانت تبحث عنه في الليل او في النهار؟ فقالت لم ابحث عنك ليلا ولا نهارا. وهكذا أورثت امنا حواء بناتها ميلهن للتدلل واظهار التمنع لأنهن يدركن بالفطرة ان كل ممنوع مرغوب.
واذا كانت قصة آدم وحواء اول قصة حب في التاريخ الإنساني، فان اول قصة حب في الاسلام كانت بين نبينا محمد عليه الصلاة والسلام وبين أمنا خديجة رضى الله عنها. احبها الرسول حبا جما وأحبته كما احبها حتى قال ” اني رزقت حبها”. فالرسول هنا يعتبر الحب رزقا وهو معنى عميق لطيف، وكأنه صلى الله عليه وسلم يريد ان يعلمنا ان الله لا يهب الحب لجميع خلقه وانما هو رزق من الله يرزقه من يشاء من عباده. اللهم ارزقنا حب أزواجنا وذرياتنا وآبائنا وأمهاتنا واخواننا واخواتنا وأصدقائنا وصديقاتنا وعامة المسلمين وساير الانسانية”.
صرّح النبي عليه الصلاة والسلام حبه بلفظ صريح فقال “رزقت حبها” ولا يجد في ذلك غضاضة، مع ان كثيرا منا يتحرج ان يصرح حبه لزوجته ! بل ان بعضنا قد يرى ذلك إثما او على الأقل سوء أدب او علامة ضعف. سئل الرسول (ص) عن احب الناس اليه، فقال؛ عايشة، ثم من؟ فقال: ابوها. وفي مجتمعنا اذا رأى الناس رجلا يحب زوجته ويعاملها بلطف ورفق واحترام يقولون انه تحت سيطرة زوجته تأمره فيطيع وتنهاه فيرتدع. واذا أضاف الى ذلك حب اهل زوجته فقد يرون ذلك إذعانا تاما للزوجة وخضوعا كاملا لرغباتها. صلة اهل زوجتك وإكرامهم من حسن المعاشرة وتقوية اواصر المحبة والمودة بين الزوجين.
حب نبينا محمد لام المؤمنين خديجة حب لحمته الوفاء والاخلاص وسداه المودة والرحمة، يأوي اليها عند الفزع ويسكن اليها عند الجزع، تهدّا عنه الروع وتعيد الى نفسه الطمأنينة والهدوء. جاء الرسول اليها مروعا مما رَآه في غار حراء ثبتت قلبه معددة صفاته الاخلاقية التى تجعلها مطمئنة واثقة في ان الله لن يخذله أبدا ” فوالله لا يخزيك الله أبدا؛ إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق”. مخلصة في حبها وفية بعهدها، فقابل الإخلاص إخلاصا فلم يتزوج معها وبادل الوفاء وفاء حتى بعد موتها. هنا يظهر الحب في معانيه الاسمى كعاطفة إنسانية نبيلة بنبل حامليها وليس حبا ماديا حسيا مرتبطا بجمال الظاهر فحسب وانما هو حب معنوى مرتبط بجمال الباطن من المزايا الاخلاقية والسمو الإنساني.
اما أشهر قصة حب في الاسلام فهي قصة الصحابي مغيث والصحابية بريرة. والقصة ثابتة في البخاري. وملخص القصة ان بريرة كانت مولاة للسيدة عايشة ومغيث مولى لابي احمد الأسدي. وقد شغف قلب مغيث بحب بريرة فتزوجها. ثم ان ام المؤمنين عايشة رضى الله عنها اشترت بريرة فاعتقتها، فطلبت بريرة من مغيث الطلاق فطلقها بعد ان يئس من استبقاء العلاقة، ولكنه بعد طلاقها لم يستطع الصبر عنها فهام على وجهه يمشى خلفها باكيا في طرق المدينة يعلن حبه لها ويطلب اليها استرجاعه، حتى قال الرسول لعمه العباس: الا تعجب – يا عباس -من حب مغيث بريرة ومن بغض بريرة مغيثا! وقد رقّ قلب الرسول لحاله وأشفق عليه وذهب الى بريرة متشفعا قائلا لو راجعته، فقالت أتأمرني يا رسول الله فقال لا، انما انا متسفع فقالت لا حاجة لي فيه.
فالرسول عليه الصلاة والسلام لم ينكر على مغيث حبه لبريرة ومشيه خلفها باكيا في طرق المدينة معلنا حبه لها حتى بعد ان طلقها وصارت اجنبية عنه. لم يكتف الرسول بعدم الإنكار وانما شفع له بعد ان أشفق عليه. فما ظنك لو ان شييا من هذا او قريبا منه حصل اليوم. لا أشك ان كل من تسول نفسه اليوم القيام بمثل قام به مغيث في المدينة سيتعرض للعقاب بالضرب او بالسجن او ربما حتى بالقتل!. فلن يسود السلام في ربوع ديارنا ولن يعم الحب في مجتمعناتنا حتى نرى سلفيا عاشقا يذوب رقة ويهيم على وجهه ويبكي وراء حبيبته في شوارع مكة ويرى التوحيد في الحب كما يرى التوحيد في العقيدة وينفى الشرك والتعدد عن الحب كما ينفى الشرك والتعدد عن ذات الله.
ومن سوء حظ مغيث ان حبيبته لم تكن تبادله الحب او انها ربما كانت تبادله ولكنها بعد ما نالت حريتها اختارت ان تضحى حبها من اجل حريتها ولكن ومتى كان للحب حدود من الحرية والعبودية!.
ومن باب الشي بالشئ يذكر، فقد حدثني بعض الأصدقاء قصة طريفة خلاصتها: ان مجموعة من الرجال المتزوجين من الجالية الصومالية في بريطانيا تلقوا دعوة من مركز شيون الجاليات في حيهم لمناقشة قضايا المشاكل العائلية. شرعوا في الحديث عن المشاكل الزوجية لدى الجالية الصومالية في بريطانيا وتساءلوا عن الأسباب فكل ادلى بدلوه على ما ارتآه. وبينما هم في شد وجذب وصراخ ونفي، سأل احد منظمي الاجتماع الرجال الصوماليين: هل تحبون زوجاتكم؟ فتوقفوا عن الهياج وساد في الغرفة سكون وهدوء، ثم قال لهم: من يحب زوجته منكم فليرفع يده، فرفعوا كلهم أيديهم، ثم سئلوا متى كان اخر وقت اخبرتم لزوجاتكم حبكم لهن؟ فقال بعضهم: انه لا يذكر اخر مرة اخبرها لزوجته حبه لها، وقال البعض الآخر: انه لم يخبرها ذلك قط في حياته.
فقال لهم أصدقائي:
– لا ينقصكم في علاقتكم الزوجية الا الحب !
– الحب ! وكيف ينقصنا؟ وكيف عرفت؟
– انكم اذا اردتم اختبار صدق قولي هذا، فأنا اقترح ان يكتب كل احد منكم رسالة نصية من هاتفه المحمول الى زوجته.
– وماذا يكون في نص الرسالة يا ترى؟
– يكون فيها كلمة واحدة ( احبك)
– ثم ما ذا؟
– ثم ننتظر الاجابات حسبما ترد.
– حسنا.
فكتب كل واحد منهم لزوجته وربما للمرة الاولى في حياته (احبك ). حبس الرجال انفسهم ينتظرون الردود وبلغت القلوب الحناجر. تلقى السيدات رسائل في هواتفهن، واذا فيها شييا لم تَر أعينهن قط ولا خطر في بالهن ولا سمعت اذنهن. فغرن فاههن في دهشة، كبرت كلمة تخرج من افواههم. لم تصدق أعينهن بما رأت وقرأت. لا يخامرهن شك في ان شييا ما قد حدث لأزواجهن.
جاء ردّ الاولى: هل جننت يا رجل!
فتبعها ردّ الثانية: أتضحك عليّ يا رجل!
وتلاها جواب الثالثة: هل تمزح؟
فالرابعة: هل تظنني امك؟
فالخامسة: من كتب هذه الرسالة؟
فالساسة: هل انت في حلم؟
فالسابعة: اسمع يا رجل، تلقيت منك رسالة اظنها كانت متجهة الى سيدة اخرى ولكنها ضلت طريقها وانتهت -بحمد الله – في هاتفي، فوالله، لتخبرنّي صاحبة هذه الرسالة او لا تعود الى البيت الليلة. فسقط في المسكين في يديه وأوقع نفسه في مهلكة كان عنها في غنى.
هذه عواقب عدم تصريح الحب بين الزوجين. تدل جميع ردود الزوجات على شيي واحد وهو عدم تصديقهن بان تصدر هذه العبارة اللطيفة من أزواجهن، فكان الرد اما الاتهام بالجنون او مَس الشيطان واما بقصد المزاح او توهم ضبط الرجل متلبسا بجريمة الخيانة. ولا اكتمكم السر فإنني بعد ما سمعت هذه القصة جربت نفسي هذه الطريقة وكتبت الى زوجتي ” احبك يا غالتي” ولا اخبركم الرد لحرمة إفشاء السر بين الزوجين. ومن أراد منكم ان يجرب فله ذلك ولكنني أوصيكم بالاستخارة فبل ان تفعلوا ذلك؛ لان الامر جلل، وقد تتوهم صاحبتنا ان الرسالة كانت متجهة الى عشيقة اخرى فتصدر الامر الى الزوج بعدم العودة الى البيت الليلة.
وعموما، يستطيع النساء أكثر من الرجال – خلافا لما يظنه كثير من الناس – ان يخفين مشاعرهن ويتحكمن على عواطفهن على الأقل فيما يتعلق بالحب. وهذا مما يسهّل لهن التحمل اذا عرضت لتجربة حبهن صعوبات تعيقهن عن الاستمرار وتضطرهن الى إنهاء العلاقة. بينما الرجال عادة لا يخفون مشاعرهم ولا يستطيعون التحمل والصبر على الفراق، لذلك تراهم اذا احبوا يسهرون ويصابون بالأرق ويستطيلون الليل ويعددون النجوم ويناجون القمر ويتخبطون خبط عشواء ويهيمون على وجوههم. وكم من رجل هام على وجهه ورمى نفسه من شاهق او في البحر او غير ذلك مما يعرضه لتهلكة نفسه من اجل علاقة عاطفية لم يكتب لها النجاح. مات قيس من اجل ليلي ومات علمي بوطري من اجل هدن ومات روميو من اجل جوليت. فهل سمعتم امرأة ماتت من اجل عشيقها؟ فهل سمعتم امرأة هامت على وجهها او رمت نفسها من شاهق من اجل حبها؟
وقد أحسن من قال
ان العيون التى فى طرفها حور *** قتلننا ثم لم يحيين قتلانا
يصرعن ذا اللب حتى لاحراك به** وهن اضعف خلق الله انسانا
وقد ذكر ابن حزم في كتابه طوق الحمامة ان ابن عباس سئل عن قتيل العشق فأفتى: هذا قتيل الهوى لا عقل ولا قود.
وقد وصل ببعض الشعراء العذريين بالامر ان جعل حبه يساوي جهادا في سبيل الله والاستشهاد فيه أسمى أمانيه.
يقولون جاهد يا جميل بغزوةٍ … وأيّ جهادٍ غيرهن أريد
لكلِّ حديثٍ بينهنَّ بشاشةٌ … وكلُّ قتيل بينهن شهيد
ومن عجائب الحب ان المحب لا يكتفى بتعلق حبيبته وانما يتعداه الى التعلق بكل ما له صلة بمحبوبته من اهلها وصديقاتها. لذلك وقف شعراء العرب على الاطلال وذلك ليس حبا للاطلال بذاتها ولكن حب من سكن فيها. ولقد أحسن قيس مجنون ليلي في التعبير عن هذا المعني أحسن تعبير حيث يقول:
أَمُرُّ عَلى الدِيارِ دِيارِ لَيلى ** أُقَبِّلَ ذا الجِدارَ وَذا الجِدارا
وَما حُبُّ الدِيارِ شَغَفنَ قَلبي ** وَلَكِن حُبُّ مَن سَكَنَ الدِيارا
وقد بالغ المنخل اليشكري في ذلك حتى ادعى انه كما يحب حبيبته فكذلك يحب بعيره ناقة معشوقته، ويقول في ذلك:
وأحبها وتحبني ***** ويحب ناقتها بعيري
ولي عودة في الموضوع بمقال اخير ثالثة الأثافي.















