لمثل هذا الرجل تحتاج الأمة الصومالية
واثق الخطوة يمشي ملكًا، هيبة وكاريزما وحضور حتى عند الابتسامة. مشية الملوك، ووقفة الزعماء، وجلوس الكبار، وحديث الأدباء، وسرعة بداهة، وتفكير دبلوماسي، وصراحة شجاعة، وتحفّظ سياسي، ونظرة أمنية، وفهم عميق للأبعاد الجيوسياسية، ولباقة وأناقة في المظهر والمنظر، وروح فكاهة مع شخصية جادة، وموكب مهيب من الحرس المنظّم.
متحدث بارع، رجل ثقافة ورقي وحوار، قارئ نهم، وباحث في التاريخ، وعاشق للأدب. رجل دولة بحق وبكل امتياز، متعدد المواهب والمجالات، يفهم معنى الدولة والدبلوماسية، فصيح اللسان، بليغ الكلام، وصاحب عقلية بناء دولة لا إدارة مرحلة.
اختار رجالًا هم أصحاب علم وثقافة، ويعرف معادن الرجال وأنواع السلاح. رجل حرب وأمن، وراعي سلام في آنٍ واحد، خبير بغرفة العمليات، ومخطط بارع، وأستاذ في اختيار حلفائه الدوليين وأصدقائه المحليين، وداعميه من الخليج والعرب، الذين نال منهم دعمًا ماليًا ودبلوماسيًا غير مشروط.
فاتح الشام، وصاحب دمشق عاصمة الثقافة وحاضرة الأمويين، وسيد حلب وحمص والرقة وحماة ودرعا والسويداء. حين حرر الشام ودخل دمشق فاتحًا، قصد المسجد الأموي وخطب فيه معلنًا عودة دمشق إلى أحضان شعبها وأهلها بعد قهر ومعاناة، وأغلق سجن صيدنايا سيئ السمعة، رمز الإجرام الدموي اللاإنساني.
أنتج أجيالًا من الضباط، وبنى جيشًا حرر الشام، جيشًا يفتخر باللحى الطويلة، جيشًا شاميًا بكل ما تحمله الكلمة من معنى. جيش يعرف أن من خاض الحرب هو أكثر من يعرف قيمة السلام.
أعاد الحياة إلى الشام، والأجمل أنه لم يتحول إلى نسخة من تجارب أخرى خيّبت آمال شعوبها رغم الحب الجماهيري، لأنه كان على قدر الفهم والإدارة، وعلى وعي بثقل المرحلة وحساسية التوازنات.
رجل واقعي بيده ملفات حساسة كثيرة، ومع ذلك كسب احترام دونالد ترامب، وتعامل بذكاء مع هاكان فيدان وأردوغان، وامتص بعبقرية غضب بوتين، وتخلص من الوجود الإيراني في سوريا بحكمة، وحيّد العراق ولبنان في الملف السوري، وكسب السعودية وقطر إلى جانبه دعمًا غير محدود.
يعرف ثقافة شعبه، وطموحات قومه، وتاريخ أرضه، وعشائر سوريا وقومياتها وطوائفها ولهجاتها ومدنها وأريافها، أكلاتها ومعالمها وضواحيها. يعرف سوريا شعبًا وحكومة، وطنًا وتاريخًا. يرى أن دولة سوريا دولة الجميع، وكرامة الوطن وعزته، وحلم كل سوري.
يحترم العلماء والقراء، وأعاد لهم مكانتهم في الشام. ويفهم دور الإعلام، فكسب قنوات كبرى مثل الجزيرة والعربية، بل وزار قناة الجزيرة وجلس مع إدارتها.
رئيس من طينة شعبه، يتحدث بلهجتهم، يحب أكلاتهم، ويفتخر بالزعتر وزيت الزيتون. أول رئيس سوري يتشرف به السوريون ويفتخرون به، ابن دكتور لا ابن دكتاتور، أكبر من عرش الحكم، لأن الكرسي لم يكن يومًا أكبر منه، وهذا سر نجاحه وشهرته العالمية ومحبة شعبه.
مؤمن بحماية مكاسب وتضحيات الثورة، ويدرك أن الشعب على أهبة الاستعداد للدفاع عن كرامته إذا تعرّضت وحدة سوريا لأي تهديد، ويرفض أن تكون سوريا ساحة تجارب للمؤامرات الخارجية.
صلّى إمامًا، وسمعنا صوته في تلاوة القرآن، ورأينا صبره وهدوءه في التعامل مع محاولات إسرائيل جرّ سوريا إلى حرب لا قبل لها بها، وهو يوازن بين أطماع إسرائيل، وكيانات انفصالية، وضغوط روسية، ووجود تركي، وتدخلات عربية، وانقسامات داخلية، ليعبر بسوريا إلى برّ الأمان.
يحترم المرأة، ويعتز بزوجته التي عاشت معه المغارات والملاجئ، وصبرت في أصعب أيام حياته، ورفضت مغادرته. تحدث عن قلب الأم وحنان والدته، وقبّل يد والده الدكتور المثقف، في مشهد يلخّص إنسانيته ووفاءه لأهله.
يرى الشام أمانة أبي عبيدة بن الجراح وخالد بن الوليد، ويتحدث بألم عن أنينها وخراب بيوتها وتهجير أهلها، وعن وجع الطغيان الذي جثم على صدرها عقودًا.
احترم رجال دولته، مثل أسعد الشيباني، ويُعدّ قيادات للمستقبل، إيمانًا بأن الدولة تُبنى بالرجال لا بالأفراد، وبالاستمرارية لا بالشخصنة.
متواضع، يعرف الوفاء، ويكرم من شاركوه السراء والضراء، ولا ينسب الفضل لنفسه. يمازح أهل حمص أمام الآلاف: «ديروا بالكم علينا… أنا صهركم»، فيكسب القلوب دون تكلّف.
بكى السوريون فرحًا حين سمعوا: سقط بشار الأسد، وهرب المجرم. وفرحوا حين رأوا أحمد الشرع يسجد لله شكرًا عند دخوله دمشق بالبذلة العسكرية.
قال لشعبه ورجال أعمال سوريا:
«لست هنا لأستجدي الصدقة على سوريا، فالشام قد تكفّل الله بها وبأهلها، وهي أعزّ من أن يُتصدّق عليها، ولكننا نحن من يحتاج شرف التقديم لها، واجب الوقت، فنحن من يحتاج أن ينال شرف خدمة بلادنا وأمتنا».
وقد نجح أحمد الشرع فيما أخفق فيه عدد من زعماء الصومال الذين دخلوا الحكم محمولين على آمال شعبية جارفة وتعاطف جماهيري صادق، لكنهم لم يكونوا على قدر اللحظة التاريخية. نجح فيما فشل فيه عبدالقاسم حسن صلاد، الذي استُقبل استقبالًا مليونياً في مقديشو ثم خابت التجربة. ونجح فيما فشل فيه شريف شيخ أحمد، الذي أتى من خلفية كفاح مسلح ونال اعترافًا دوليًا لكنه لم يمتلك أدوات إدارة الدولة. ونجح فيما فشل فيه حسن شيخ محمود في فترته الأولى رغم الدعم الدولي الكبير، ونجح أيضًا فيما فشل فيه محمد عبدالله فرماجو، الذي كانت القلوب كلها معه لكنها اصطدمت بسوء التقدير والإدارة. الفارق أن أحمد الشرع فهم الدولة قبل أن يحكمها، وأدرك أن الثورة وحدها لا تكفي دون عقل مؤسساتي ورؤية بعيدة المدى.
ومن أعظم ما يُحسب له أنه لم ينزلق إلى منطق الانتقام، رغم فداحة الجرائم التي ارتُكبت بحق سوريا وأهلها؛ ممن دمّروا المدن، وحاربوا أهل السنة، وضيقوا الخناق على أهل الشام، ودنسوا الساحات التاريخية، وعبثوا بالقبور الشريفة، ونكّلوا بأهل درعا واللاذقية والغوطة، وقصفوا المخيمات في البرد القارس، وهجّروا وشرّدوا الملايين. ومع كل ذلك، اختار سلوكًا سمحًا، وضبطًا للنفس، وعفوًا سياسيًا وأخلاقيًا يعلو على الجراح، عفوًا يفوق في رمزيته عفو نيلسون مانديلا عمّن زجّوا به في غياهب السجون ردحًا طويلًا من الزمن، إيمانًا منه بأن بناء الدولة لا يتم بالثأر، وأن تضميد الجراح مقدّم على فتحها من جديد.
شخصية دولة، صاحب رؤية، ورجل قول وفعل، لا خطب رنّانة فقط. زعيم يحكم شعبًا يريد الحياة، وهو يريد لهم حياة كريمة. نحن بأمس الحاجة إلى قائد بمثل عبقريته وشخصيته وتواضعه وشجاعته وواقعيته ويتحلى بنفس الفصاحة والذهاء والكاريزما والحضور والإجماع الوطني ويطرح رؤية براغماتية تتماشى مع متطلبات الواقع وتغيرات العالم.
الأستاذ: عبدالرحمن راغي علي

