إثيوبيا وإريتريا: بين شبح الحرب ووهم التفاوض

المزيد للقراءة

في الوقت الذي كانت الأنظار متجهة نحو غزة وأوكرانيا والسودان،واليمن، كان القرن الأفريقي يشتعل بصمت. فخلال الأيام القليلة الماضية، انتشرت قوات إريترية داخل إقليم تيغراي الإثيوبي، وقطعت أديس أبابا وأسمرة علاقاتهما الدبلوماسية بالكامل، وتبادل الطرفان اتهامات بالتحضير لحرب جديدة. هذا ليس مجرد توتر حدودي عابر، بل هو لحظة فارقة قد تحدد شكل المنطقة بأسرها لعقود قادمة

لماذا الآن؟ مفارقة الحرب التي لم تنتهِ

الأمر الأكثر إثارة للدهشة في هذا التصعيد هو توقيته. فقبل ثلاث سنوات فقط، كان البلدان حلفاء في الحرب ضد جبهة تحرير شعب تيغراي، وقاتلت القوات الإريترية جنباً إلى جنب مع الجيش الإثيوبي. لكن هذا التحالف الهش انهار بسرعة مذهلة، والسبب واحد: البحر.

إثيوبيا، الدولة التي يزيد سكانها عن 130 مليون نسمة، محبوسة جغرافياً منذ استقلال إريتريا عام 1993. رئيس الوزراء آبي أحمد لم يخفِ يوماً طموحه في تأمين منفذ بحري، وقالها صراحة في خطاب تنصيبه الأخير: “سنعمل بجد لضمان حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر”. وفي سبتمبر الماضي، عرضت إثيوبيا صيغة تفاوضية: استئجار طويل الأمد لموانئ إريترية. لكن أسمرة رأت في هذا العرض قناعاً لنوايا توسعية.

المنطق الإريتري بسيط: ميناء عصب ليس مجرد مرفأ تجاري. إنه يطل على مضيق باب المندب، المدخل الجنوبي للبحر الأحمر. إذا فقدت إريتريا عصب، تقول التحليلات، فإن “أهميتها الاستراتيجية ستتراجع إلى ما يقرب من الصفر”. وهذا ليس خوفاً مبالغاً فيه، بل حساب جيوسياسي بارد.

ما يحدث على الأرض

المشهد الميداني غامض ومتقلب. تقارير وكالة فرانس برس ورويترز نقلت عن شهود عيان ومسؤولين محليين أن قوات إريترية عبرت الحدود وتمركزت حول مدينة أديغرات، على بعد نحو 40 كيلومتراً من الحدود، وبعضها يتجه جنوباً نحو ميكيلي. أحد القادة الموالين للحكومة الإثيوبية وصف ما يحدث بصراحة: “القوات الإريترية تدخلت في الحرب في تيغراي لمنع القوات الإثيوبية من الوصول إلى الحدود والقتال داخل الأراضي الإريترية”.

ولكن إريتريا تنفي. وزير الإعلام الإريتري يماني قبرمسكل قال إن هذه المزاعم “ملفقة” وتهدف إلى منح إثيوبيا “ذريعة لمهاجمة إريتريا”. وفي المقابل، اتهم قبرمسكل أديس أبابا صراحة بأنها “تقرع طبول الحرب علناً” وتسعى للسيطرة على ميناء عصب، مضيفاً: “النقطة النهائية هي عصب. هذا ما تقف خلفه كل الاتهامات”.

من يخدع من؟

هنا تكمن الصعوبة الحقيقية. كل طرف يقدم رواية متكاملة تبدو منطقية من زاويته. إثيوبيا تقول إن إريتريا تدعم المتمردين وتنشر قواتها داخل أراضيها. إريتريا تقول إن إثيوبيا تبحث عن ذريعة للحرب للاستيلاء على عصب. والحقيقة؟ على الأرجح، كلاهما يخدع، وكلاهما صادق جزئياً في الوقت نفسه.

الحكومة الإثيوبية والجيش ينتظران فقط دخول إريتريا الحرب وفق رواية إريتريا، لقد قدموا بالفعل مزاعم دون أدلة على أن الجيش الإريتري موجود في إثيوبيا… لكن الإثيوبيين سيحبون رؤية ذلك، حتى يبرروا هجومهم على إريتريا بالقول إنهم تعرضوا للهجوم أولاً”. هذه القراءة، إن صحت، تعني أن إثيوبيا تبني ذريعة استباقية.

ولكن هناك منطق آخر لا يمكن تجاهله. إريتريا لديها أسبابها الموضوعية للتدخل في تيغراي. فحسب الخبير كيتيل ترونفول من جامعة أوسلو، “من الضروري لإريتريا الحفاظ على عمق استراتيجي ومنطقة عازلة في شمال تيغراي، وأن تقاتل الجيش الإثيوبي على الأراضي التيغراوية”. أي أن التدخل الإريتري قد يكون دفاعياً بطبيعته: نقل المعركة إلى أرض العدو بدلاً من انتظارها على الحدود.

المخاطر الإقليمية

ما يجعل هذا التصعيد أكثر خطورة هو السياق الإقليمي. السودان، الجار الغربي، يغرق في حرب أهلية منذ أبريل 2023، وحدوده مع إثيوبيا طويلة ومسامية. أي انفجار في العلاقات الإثيوبية-الإريترية قد يدفع موجات جديدة من النازحين والمسلحين نحو الشرق السوداني، مما يفاقم أزمة إنسانية هي أصلاً من الأسوأ في العالم.

كما أن الصراع لا يمكن فصله عن التنافس الأوسع في البحر الأحمر. إثيوبيا وقعت مذكرة تفاهم مع صوماليلاند في يناير 2024 لتأمين منفذ بحري، مما أثار غضب الصومال. وفي الوقت نفسه، عقدت مصر وإريتريا والصومال والسودان قمة في القاهرة للتأكيد على أن “حوكمة البحر الأحمر مسؤولية حصرية للدول المطلة عليه”. إثيوبيا، بالطبع، غير مطلة على البحر. هذه المعادلة وحدها كافية لتفسير لماذا يشعر آبي أحمد بأن الجغرافيا تسجنه.

خلاصة: “اللاحرب واللاسلم”

السؤال الذي يفرض نفسه الآن: هل الحرب قادمة فعلاً؟ الإجابة الصادقة: لا أحد يعرف. ما نعرفه هو أن الخيار العسكري لم يعد مستبعداً كما كان قبل سنوات. لكن الانتقال من “عدم استبعاده” إلى “توقعه” مسافة هائلة.

ما يجري الآن هو حالة من “اللاحرب واللاسلم” الخطيرة. كلا الطرفين يستعرض قوته، ويبني روايته، ويستعد لأسوأ السيناريوهات، لكن كليهما يعرف أن حرباً شاملة ستكون كارثية. إثيوبيا لم تتعافَ بعد من حرب تيغراي التي استمرت عامين وخلفت مئات الآلاف من القتلى. وإريتريا دولة صغيرة نسبياً، لكنها تمتلك جيشاً مجرباً وقيادة لا تتردد.

المطلوب من المجتمع الدولي ليس فقط مراقبة التصريحات، بل مراقبة الميدان. فالحرب لا تبدأ بالإعلانات، بل بالتحركات الصامتة: حشد القوات، تحريك العتاد، تعبئة اللوجستيات. هذه المؤشرات هي ما يجب تتبعه، لا البيانات الرسمية التي غالباً ما تكون جزءاً من اللعبة نفسها.

في النهاية، ما يجمع إثيوبيا وإريتريا أكثر مما يفرقهما: التاريخ، اللغة، الروابط الإثنية. لكن ما يفرقهما هو الجغرافيا: واحدة تملك البحر، والأخرى تموت في حبسه. وهذه المعادلة القاسية، إن لم تُحل بالسياسة، ستُحل يوماً ما بالدم. والسؤال الوحيد هو: متى؟

عبد الرحمن سهل يوسف
عبد الرحمن سهل يوسف
مدير مركز الصومال لتحليل الأزمات

Share

اقرأ هذا أيضًا