الصومال في قلب التحولات الإقليمية: من تحديات الواقع إلى صناعة المستقبل

المزيد للقراءة

لم تعد التحولات التي تشهدها منطقة شرق إفريقيا والقرن الإفريقي مجرد تطورات سياسية عابرة، بل أصبحت جزءًا من إعادة تشكيل أوسع لموازين القوى والتحالفات الإقليمية والدولية. وفي ظل هذه التحولات، تبرز أمام الصومال فرصة مهمة للانتقال من موقع التأثر بالأحداث إلى موقع المشاركة الفاعلة في صياغة مستقبل المنطقة.

وفي هذا السياق، اكتسبت الندوتان الفكريتان اللتان نظّمهما مركز المستقبل للحوار والدراسات، بالتعاون مع مركز القرن الإفريقي للبحوث والدراسات السياسية، في العاصمة مقديشو يوم 11 أكتوبر 2026، أهمية خاصة؛ إذ تناولتا موضوع «شرق إفريقيا: التحولات الكبرى والتوازنات الجديدة»، بمشاركة دبلوماسيين وأكاديميين وخبراء وصحفيين، في نقاشات ركزت على مستقبل الاستقرار الإقليمي، والتحولات الجيوسياسية، ودور الصومال في المعادلات الجديدة.

وقد كان من دواعي اعتزازي المشاركة في هذا الحراك الفكري من خلال إدارة إحدى الجلستين، بما أتاحه ذلك من فرصة للإسهام في حوار يتجاوز قراءة الأحداث إلى البحث في دلالاتها الاستراتيجية وآفاق الاستفادة منها.

الحوار الفكري بوابة لصناعة القرار

إن أهمية هذه اللقاءات لا تكمن في انعقادها فحسب، بل في قدرتها على بناء جسور التواصل بين المعرفة الأكاديمية والخبرة الدبلوماسية والتحليل السياسي. فالدول التي تسعى إلى تعزيز حضورها الإقليمي تحتاج إلى مؤسسات بحثية قادرة على قراءة المتغيرات، واستشراف الاتجاهات، وتقديم رؤى تساعد صانع القرار على التعامل مع الفرص والتحديات بوعي وواقعية.

ومن هنا، فإن تطوير مراكز البحث والدراسات في الصومال يمثل استثمارًا في المستقبل، لا سيما في مرحلة تتداخل فيها ملفات الأمن والاقتصاد والدبلوماسية والممرات البحرية والتنافس الدولي على النفوذ في منطقة ذات أهمية استراتيجية متزايدة.

كما أن استمرار الحوار بين الأكاديميين والدبلوماسيين والمسؤولين والإعلاميين يساعد على توسيع دائرة النقاش العام، ويتيح مقاربة القضايا الوطنية والإقليمية من زوايا متعددة، بعيدًا عن القراءات الضيقة أو ردود الفعل الآنية.

الصومال وإمكانات الحضور الاستراتيجي

يمتلك الصومال مقومات جغرافية وبحرية وبشرية تؤهله للقيام بدور مؤثر في شرق إفريقيا والقرن الإفريقي. فموقعه المطل على خليج عدن والمحيط الهندي يمنحه أهمية في حركة التجارة والملاحة البحرية، كما أن ارتباطه بدول الجوار يجعله طرفًا أساسيًا في قضايا الأمن الإقليمي والتعاون الاقتصادي والتكامل بين شعوب المنطقة.

غير أن تحويل هذه المقومات إلى نفوذ سياسي ودبلوماسي مستدام يتطلب رؤية وطنية واضحة، ومؤسسات حكومية فاعلة، وسياسة خارجية متوازنة، وعلاقات تقوم على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل للسيادة.

وفي هذا الإطار، فإن تعزيز التعاون مع دول الجوار، وتوسيع الشراكات مع الدول العربية والإفريقية والشركاء الدوليين، يتيح للصومال فرصًا لتطوير قدراته الاقتصادية والأمنية، والاستفادة من الاستثمارات والخبرات، وتوسيع حضوره في المؤسسات والمنصات الإقليمية.

كما أن السياسة الخارجية الفاعلة لا تقوم على تعدد العلاقات وحده، بل على القدرة على توظيفها لخدمة المصالح الوطنية، وتنويع الشراكات، وتجنب تحويل التنافس بين القوى الإقليمية والدولية إلى مصدر للانقسام الداخلي.

بناء الدولة وتعزيز السيادة الوطنية

إن الحضور الخارجي للصومال يرتبط ارتباطًا وثيقًا بقدرته على تعزيز مؤسساته الداخلية. فالدولة التي تمتلك مؤسسات أكثر فاعلية، وتعمل وفق الأطر الدستورية والقانونية، تكون أقدر على صياغة أولوياتها الوطنية والتفاوض بشأن مصالحها وبناء علاقات متوازنة مع الآخرين.

ومن هذا المنطلق، فإن ترسيخ مؤسسات الدولة الفيدرالية، وتعزيز التعاون بين مستويات الحكم، وتطوير الإدارة العامة، ودعم الأمن والاستقرار، تمثل عناصر أساسية في بناء دولة قادرة على الاستفادة من موقعها الاستراتيجي.

كما أن الأمن والتنمية مساران متكاملان؛ فاستقرار المؤسسات يهيئ البيئة المناسبة للاستثمار والتنمية، بينما تسهم التنمية في توسيع الفرص الاقتصادية وتحسين حياة المواطنين وتعزيز الثقة بين المجتمع ومؤسسات الدولة.

ويظل الاستثمار في الشباب والتعليم والبحث العلمي من أهم مرتكزات هذه الرؤية، بالنظر إلى ما يمتلكه الشباب الصومالي من طاقات وإمكانات يمكن توظيفها في بناء اقتصاد حديث، وتطوير الإدارة، وتعزيز الدبلوماسية، والمشاركة في صياغة مستقبل المنطقة.

شرق إفريقيا: فرصة للتعاون لا ساحة للتنافس وحده

على الرغم من تعقيدات المشهد الإقليمي، فإن شرق إفريقيا يمتلك فرصًا واسعة للتعاون في مجالات التجارة والنقل والطاقة والأمن البحري ومكافحة الإرهاب وتطوير البنية التحتية. ويمكن للدول المعنية أن تحقق مكاسب مشتركة من خلال تعزيز الحوار السياسي، وتطوير آليات التنسيق، وتوسيع التبادل الاقتصادي، وإدارة الخلافات بالوسائل الدبلوماسية.

ومن مصلحة الصومال أن يكون جزءًا فاعلًا من هذه الجهود، وأن يسهم في بناء بيئة إقليمية أكثر استقرارًا وانفتاحًا على التعاون. فنجاح أي دولة في محيطها لا ينفصل عن طبيعة علاقاتها بجيرانها، كما أن الاستقرار الإقليمي يفتح آفاقًا أوسع للنمو والاستثمار والتكامل.

وتزداد أهمية هذا التوجه في ظل التحولات الجيوسياسية التي تشهدها منطقة البحر الأحمر وخليج عدن، حيث تتقاطع المصالح الاقتصادية والأمنية الدولية. وهو ما يستدعي من الصومال تطوير قراءة استراتيجية لهذه التحولات، والاستفادة من موقعه الجغرافي بما يحفظ سيادته ويخدم مصالح شعبه.

من النقاش إلى التوصيات والسياسات

إن القيمة الحقيقية لأي حوار استراتيجي تظهر عندما تتحول أفكاره إلى توصيات قابلة للدراسة والتطبيق. ولذلك، فإن استمرار التعاون بين مراكز الأبحاث والمؤسسات الحكومية والجامعات والجهات الدبلوماسية يمكن أن يسهم في بناء قاعدة معرفية وطنية تدعم صناعة القرار.

ومن المفيد أن تتواصل مثل هذه المبادرات عبر دراسات متخصصة تتناول مستقبل العلاقات الإقليمية، وأمن الممرات البحرية، وفرص التكامل الاقتصادي، وأثر التنافس الدولي في القرن الإفريقي، وسبل تعزيز الدور الدبلوماسي للصومال.

كما أن نشر مخرجات هذه الحوارات وإتاحتها للباحثين وصناع القرار والجمهور يوسع أثرها، ويجعلها جزءًا من نقاش وطني مستمر حول أولويات الدولة وموقعها في محيطها الإقليمي.

وفي هذا السياق، يستحق مركز المستقبل للحوار والدراسات ومركز القرن الإفريقي للبحوث والدراسات السياسية التقدير على تنظيم هذه اللقاءات، وعلى الإسهام في تنشيط الحوار الفكري والاستراتيجي في مقديشو. كما أتقدم بالشكر إلى الدكتور آدم هيلولي والأستاذ ليبان أحمد شيري على جهودهما في إدارة المركزين ودعم هذا المسار المعرفي.

 الصومال قادر على توسيع حضوره

إن التحولات التي تشهدها شرق إفريقيا ليست مصدرًا للتحديات وحدها، بل تحمل أيضًا فرصًا يمكن للصومال الاستفادة منها إذا أحسن قراءة المشهد، وعزز مؤسساته، وطوّر أدواته الدبلوماسية، واستثمر في طاقات شعبه.

وقد أظهرت النقاشات التي احتضنتها مقديشو أهمية الانتقال من متابعة التحولات الإقليمية إلى دراستها بعمق، ومن الاكتفاء بتشخيص التحديات إلى البحث عن خيارات عملية تستجيب للمصالح الوطنية.

إن الصومال، بما يمتلكه من موقع استراتيجي وطاقات بشرية وإمكانات بحرية، يستطيع أن يوسع حضوره في المنطقة، وأن يكون شريكًا في تعزيز الاستقرار والتعاون الإقليمي، شريطة أن يستند ذلك إلى مؤسسات قوية، ورؤية وطنية واضحة، وسياسة خارجية متوازنة.

فمستقبل الصومال لا يتحدد بما يجري حوله فحسب، بل أيضًا بقدرته على فهم التحولات، وتحويل الفرص إلى سياسات، والمعرفة إلى قرارات، والموقع الجغرافي إلى حضور استراتيجي يخدم الوطن والمنطقة.

بقلم: عبد الرحمن سهل يوسف

المدير العام/ ومحرر موقع قراءات صومالية

Share

اقرأ هذا أيضًا