في مشهد يعكس واحدة من أبرز تجارب الصمود الاجتماعي والسياسي في الولايات المتحدة، وجدت الجالية الصومالية نفسها خلال السنوات الأخيرة في مواجهة موجة متصاعدة من الخطاب السياسي المعادي للمهاجرين، تصاعدت حدتها مع الهجمات التي شنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وعدد من التيارات اليمينية على الصوماليين، ومحاولات تصويرهم باعتبارهم مصدرًا للمشكلات والفساد، وتحميلهم مسؤولية أزمات لا يمكن اختزالها في جماعة سكانية بعينها.
ورغم محدودية عددهم مقارنة بإجمالي سكان الولايات المتحدة، فإن الصوماليين أصبحوا في بعض الخطابات السياسية هدفًا بارزًا لحملات التشكيك والتحريض، في مفارقة تكشف كيف يمكن للأقليات الصغيرة أن تتحول إلى أدوات في الصراعات الانتخابية، حين تتقاطع الهويات العرقية والدينية والثقافية مع حسابات السياسة.
هوية متعددة.. وهدف سهل لخطاب الكراهية
تواجه الجالية الصومالية تحديات مركبة بحكم كونها جالية مهاجرة، ذات أصول إفريقية، وتدين بالإسلام، وتحافظ على خصوصيتها الثقافية واللغوية. وهي عناصر جعلتها، في نظر بعض التيارات المتشددة، هدفًا سهلًا لخطاب يقوم على التخويف من الآخر، وتغذية مشاعر العداء تجاه المهاجرين والمسلمين.
وقد ساهمت الاختلافات الثقافية واللغوية، إلى جانب التماسك الاجتماعي داخل الجالية، في تكوين مجتمع يحتفظ بخصوصيته وهويته، ويحرص على نقل لغته وقيمه الدينية والثقافية إلى الأجيال الجديدة.
لكن هذه الخصوصية، التي تمثل مصدر قوة اجتماعية وثقافية، أصبحت في بعض الأحيان مادة للتأويلات السلبية، حيث جرى تصوير التماسك المجتمعي باعتباره انغلاقًا، والتمسك بالهوية باعتباره رفضًا للاندماج.
والحقيقة أن الحفاظ على الهوية لا يتعارض بالضرورة مع الاندماج في المجتمع الأمريكي؛ بل إن تجربة الصوماليين تقدم نموذجًا على إمكانية الجمع بين الانتماء الثقافي والديني من جهة، والمشاركة في الحياة العامة من جهة أخرى.
بين الاتهامات والواقع.. جالية تصنع نجاحها
على الرغم من حملات التشكيك، استطاع أبناء الجالية الصومالية بناء حضور اقتصادي واجتماعي متنامٍ في عدد من الولايات الأمريكية، ولا سيما في ولاية مينيسوتا، التي تعد من أبرز مراكز تجمعهم.
وقد برزت داخل الجالية نماذج ناجحة في مجالات التجارة، وريادة الأعمال، والتعليم، والرعاية الصحية، والعمل المجتمعي، إلى جانب توسع مشاركة الشباب والنساء في المؤسسات المدنية والسياسية.
وتشير هذه التجارب إلى أن الجالية ليست مجرد مجموعة مهاجرين تبحث عن فرص للعيش، بل مجتمع يسعى إلى بناء مستقبل أجياله، وتعزيز مكانته في وطنه الجديد، والمساهمة في تنميته.
كما أن وجود تحديات اجتماعية أو اقتصادية داخل أي مجتمع لا يبرر تعميم الاتهامات على جماعة بأكملها، أو تحويل الأخطاء الفردية إلى أحكام جماعية تستهدف الهوية والأصل.
من الهامش إلى مراكز القرار
لعل أبرز ما يميز التجربة الصومالية في الولايات المتحدة هو انتقالها التدريجي من مرحلة الحضور الاجتماعي المحدود إلى المشاركة السياسية الفاعلة.
فقد تمكن أبناء الجالية من الوصول إلى مواقع مهمة في المجالس المحلية والهيئات التشريعية على مستوى الولايات، كما برزت شخصيات صومالية أمريكية في الحياة السياسية الوطنية.
وتأتي تجربة النائبة إلهان عمر، التي وصلت إلى مجلس النواب الأمريكي، في مقدمة هذه النماذج، باعتبارها واحدة من أبرز الشخصيات السياسية الصومالية الأمريكية التي استطاعت الوصول إلى المؤسسة التشريعية الفيدرالية.
وعلى مستوى الولايات، شهدت المشاركة السياسية للصوماليين توسعًا ملحوظًا، سواء من خلال الترشح للانتخابات، أو دعم الحملات الانتخابية، أو تنظيم الناخبين، أو جمع التبرعات، أو المشاركة في المؤسسات المدنية.
وتكشف هذه الخطوات عن تحول مهم في الوعي السياسي داخل الجالية؛ إذ لم يعد الدفاع عن الحقوق مقتصرًا على الاحتجاج أو الرد على التصريحات المعادية، بل أصبح قائمًا على بناء النفوذ المؤسسي، والمشاركة في صناعة القرار، وتوسيع التمثيل السياسي.
الصمت عن الانكسار.. والعمل على تعزيز الحضور
في مواجهة حملات التشويه، اختارت قطاعات واسعة من الجالية الصومالية ألا تجعل من خطاب الكراهية سببًا للتراجع أو الانكفاء، بل واصلت العمل على تعزيز حضورها الاجتماعي والسياسي.
فبدلًا من الاكتفاء بإظهار الألم أو الانشغال بالرد على كل اتهام، اتجه كثيرون إلى الاستثمار في التعليم، وتوسيع المشاركة الانتخابية، وبناء المؤسسات المجتمعية، ودعم المرشحين القادرين على تمثيل مصالحهم.
وهذا التحول يعكس إدراكًا متزايدًا بأن مواجهة التمييز لا تتحقق فقط عبر الخطاب، وإنما أيضًا من خلال امتلاك أدوات التأثير، وبناء التحالفات، وتعزيز المعرفة بالقوانين والمؤسسات، والمشاركة الفاعلة في الحياة العامة.
ومع ذلك، فإن مسؤولية مواجهة الكراهية لا تقع على عاتق الجالية وحدها؛ بل تتطلب موقفًا واضحًا من المؤسسات السياسية والإعلامية والمدنية الأمريكية، دفاعًا عن قيم المساواة وحرية الاعتقاد وحقوق المواطنين والمقيمين.
لماذا لم تجد الجالية الصومالية التضامن الكافي؟
من المؤسف أن حملات الاستهداف التي طالت الصوماليين لم تقابل دائمًا بمستوى التضامن المتوقع من بعض المجموعات الأخرى، بما فيها بعض أبناء الجاليات العربية والإسلامية.
وقد تكون الاختلافات الثقافية، أو محدودية التواصل، أو الحسابات السياسية، أو ضعف الروابط المجتمعية، من بين العوامل التي ساهمت في ذلك.
لكن من المهم ألا يتحول هذا الواقع إلى حكم عام على جميع المجموعات أو الأفراد؛ فهناك أيضًا أمريكيون من خلفيات مختلفة وقفوا ضد خطاب الكراهية، ودافعوا عن حقوق الصوماليين، ورفضوا استهدافهم على أساس العرق أو الدين.
إن التجربة تكشف حاجة الجاليات المهاجرة إلى بناء مساحات أوسع من التضامن، تقوم على المصالح المشتركة، واحترام الخصوصيات، والدفاع عن الحقوق الإنسانية والدستورية للجميع.
فالكراهية التي تستهدف جماعة اليوم قد تستهدف جماعة أخرى غدًا، والصمت أمام التمييز لا يصنع مجتمعًا أكثر أمنًا أو عدالة.
تجربة تستحق أن تُدرس
إن قصة الجالية الصومالية في الولايات المتحدة ليست مجرد حكاية عن الهجرة أو التكيف مع مجتمع جديد، بل هي تجربة تستحق الدراسة في كيفية مواجهة التمييز، وتحويل التحديات إلى فرص، وبناء القوة الاجتماعية والسياسية من داخل مجتمع صغير نسبيًا.
لقد أثبتت هذه الجالية أن التمسك بالهوية لا يعني التخلي عن المشاركة، وأن مواجهة خطاب الكراهية لا تكون بالانكسار، بل بالعمل، والتعليم، والتنظيم، والوعي بالحقوق، والانخراط في المؤسسات.
كما تقدم تجربتها درسًا مهمًا للأجيال الصومالية في الداخل والخارج، مفاده أن المجتمعات لا تُقاس فقط بأعدادها، وإنما بقدرتها على تنظيم نفسها، وتطوير مؤسساتها، والاستثمار في الإنسان، وصناعة حضور مؤثر في محيطها.
وإذا كانت بعض التيارات السياسية قد حاولت اختزال الصوماليين في صورة نمطية سلبية، فإن الواقع يقدم صورة أكثر تعقيدًا وثراءً: مجتمع مهاجر يحمل تحدياته، لكنه يمتلك أيضًا طاقات تعليمية واقتصادية وسياسية، ويسعى إلى بناء مستقبل أفضل لأبنائه.
إن قصة الجالية الصومالية في مواجهة الكراهية ليست قصة انكسار، بل قصة صمود وإصرار على الوجود والمشاركة. وهي تجربة ستظل جديرة بأن تُروى وتُدرس، لا بوصفها انتصارًا لجالية على أخرى، بل باعتبارها نموذجًا لما يمكن أن يصنعه الإنسان حين يواجه الإقصاء بالوعي، والتمييز بالعمل، والكراهية ببناء المستقبل.

