الداعية بين بيان الحق وإرضاء الجمهور

المزيد للقراءة

الداعية بين بيان الحق وإرضاء الجمهور : 
إن الدعوة إلى الله تعالى من أفضل الطاعات وأقرب القربات؛ لأنها تدل الناس على ربهم وتعبدهم إليه، وهي عمل الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام.
والداعون إلى الله تعالى هم خيرة الأمة ومصابيحها، وهم ورثة الأنبياء وخلفاء الرسل في حمل الرسالة والبلاغ والدعوة؛ فبجهودهم ينتشر العلم ويضمحل الجهل، ويبيَّن الحق ويُحذَّر من الباطل، ويُرشد الناس إلى طريق النجاة وسبل الخلاص.
لذا؛ ينبغي أن يكون الداعية صاحب رسالة ومبدأ، يريد إبلاغ الرسالة كما هي، لا أن يكون أسيراً لرغبات الجمهور ورضاهم، يقول لهم ما يحبون سماعه ويوافق هواهم ولو كان مخالفا للحق ومصادما لمقاصد الشريعة، بل عليه أن يبين لهم ما يحتاجون إلى معرفته، وأن ينصحهم فيما ينفعهم ويحقق لهم السعادة في الدارين ولو خالف ذلك أهواء بعضهم وتوقعاتهم؛ لأن مهمة الداعية هي بيان الحق والصواب بصورة صحيحة وبأسلوب سهل وبسيط لا تنفيراً فيه ولا فظاظة.
رسالة الداعية ومسؤوليته:
إن الدور الرئيسي للداعية ومسؤوليته هو بيان الحق وتقديم النصح للمدعوين بغية إصلاحهم وإنقاذهم من الفتن والخطايا التي قد تكون سبباً في هلاكهم في الدنيا والآخرة، سواء أحبوا صاحب هذا النصح أم كرهوه؛ لأنه يفعل ذلك استجابة لأمر الشارع في تبليغ الرسالة، وليس من مهمته أن يداهن في دعوته من أجل استمالة الجمهور.
المجاملة على حساب الحق:
يحاول بعض الدعاة مجاملة الجمهور على حساب الحق، حيث يميلون إلى توهين بعض مسائل الدين الأصلية أو الفرعية؛ بحجة أن الاجتماع وتضييق الخلاف بين المسلمين أمر ضروري، لذا لا معنى للتمسك بهما، في وقت يؤدي تصرفهم هذا إلى التفرق والاختلاف.
ظاهرة البحث عن رضا الجمهور والخوف من خسارتهم:
يعطي بعض الدعاة أولوية للبحث عن رضا الجمهور وعدم خسارتهم، لذا يتحرون الحديث عما يرضيهم ولا يغضبهم. وهذا مسلك خطير جداً؛ لأنه يقود صاحبه إلى مفاسد كثيرة لا يمكن تصورها، لأن إرضاء الناس غاية لا تُدرك، ومن كان همُّه ذلك فقد دينه ومبادئه.
الفرق بين المداهنة والحكمة:
الحكمة هي اختيار الأسلوب الأفضل والأنسب في بيان الحق وتوضيحه دون التنازل عنه. وأما المداهنة فهي إخفاء الحق أو تركه أو تغيير مدلومه ومقاصده بغية إرضاء الناس، سواء كانوا حكاماً أو محكومين.
اختيار جانب السلامة:
هو أن لا يطرق الداعية أي موضوع يثير انتباه السلطة والشعب معاً، حيث يكثر الكلام عن مواضيع يرضى عنها الجميع ولا تغضب أحداً، فبذلك يكون قد نجا من ملامة كل طرف.
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل يستطيع الداعية إصلاح مجتمعه بهذه الطريقة التي يقدم بها خطابه الدعوي، أم سيصبح أضحوكة لا يكون له تأثير يُذكر؟
البديهي أن الدعوة مسؤولية، قبل أن تكون مجالا لكسب الشعبية، وأن الداعية الحق لا يسعى لاكتساب الشعبية على حساب الحق أو نيل رضاهم، وإنما مهمته أن يؤدي رسالة الحق والبيان والنصح والإصلاح، ملتزماً بالعلم والعدل والحكمة والأسلوب الحسن والموعظة الصادقة، من غير إساءة إلى مشاعر الناس وأحاسيسهم أو استخفاف بعقولهم، ومن غير مجاملة لهم على حساب بيان الحق وإبطال الباطل، وإنما يتوخى الخير والنفع لكل الناس؛ فمن استجاب له فالحمد لله تعالى، وإن كان الأمر غير ذلك فقد أدى ما عليه، فحساب الخلق ليست من مسؤوليته.
د. عبدالباسط شيخ إبراهيم
يوم الثلاثاء ١٤٤٨/٥/٢٣هـ
الموافق في ٢٠٢٦/١١/٣م

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here

د.عبد الباسط شيخ إبراهيم
د.عبد الباسط شيخ إبراهيمhttp://qiraa
كاتب مهتم بالشؤون الفكرية والدعوية

Share

اقرأ هذا أيضًا