مع إعلان سحب القوات الأوغندية من جنوب الصومال مطلع نوفمبر/تشرين الثاني الحالي، تتزايد المخاوف من حدوث فراغ أمني يمكن حركة الشباب من السيطرة على بعض الجيوب الأمنية في مواقع قريبة من مقديشو وحدوث تدهور أمني في العاصمة التي شهدت تحسناً كبيراً منذ مطلع العام الحالي، حيث انخفضت نسبة الجرائم الأمنية والاغتيالات والتفجيرات الانتحارية إلى أقل من 20% وفق مسؤولين حكوميين.
وأعلنت أوغندا، الخميس الماضي، بدء سحب قواتها العسكرية من الصومال، بعد نحو 20 عاماً من الانتشار في البلاد، في خطوة تمهّد لنقل المسؤوليات الأمنية تدريجياً إلى القوات الصومالية، وسط ضغوط مالية وسياسية متزايدة تواجهها بعثة الاتحاد الأفريقي. وقال رئيس قوات الدفاع الأوغندية الجنرال موهوزي كاينيروغابا في منشور على منصة إكس: “كما وعدنا، بدأنا سحب قواتنا من الصومال. بعد 20 عاماً من التضحيات وسفك الدماء، نسلّم المسؤولية الأمنية إلى أشقائنا الصوماليين”.
أوغندا أكبر المساهمين بالقوة الأفريقية
وتُعد أوغندا أكبر الدول المساهمة بالقوات في بعثة الاتحاد الأفريقي للدعم والاستقرار في الصومال (أوصوم)، التي أقر الاتحاد الأفريقي مشاركة 4500 جندي أوغندي فيها. وقد حلّت البعثة، مطلع 2025، محل بعثة الاتحاد الأفريقي الانتقالية في الصومال (أتميس). ولم تعلن السلطات الأوغندية حتى الآن عدد الجنود الذين سيغادرون الصومال، أو القواعد العسكرية التي ستُسلّم أولاً، كما لم تحدد موعداً لاستكمال عملية الانسحاب.
وتتولى البعثة، ضمن مهامها، دعم القوات الصومالية في عملياتها ضد حركة الشباب، وحماية المدنيين والمنشآت الحيوية، والعمل على نقل المسؤوليات الأمنية تدريجياً إلى المؤسسات الأمنية الصومالية. وتنتشر القوات الأوغندية حالياً في قواعد عسكرية في جنوب البلاد ووسطها، أهمها مدينة براوي الساحلية (على بعد 200 كيلومتر جنوب مقديشو)، وكذلك في إقليمي شبيلي السفلى والوسطى، وتعد حصناً رئيسياً للحد من انتشار مسلحي “الشباب” في هذين الإقليمين.
وبدأت أوغندا نشر قواتها في الصومال في مارس/آذار 2007، لتكون أولى الوحدات المشاركة في بعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال (أميصوم)، وأصبحت منذ ذلك الحين من أكثر الدول الأجنبية استمراراً في دعم العمليات الأمنية والعسكرية في البلاد. وخاضت القوات الأوغندية خلال السنوات الماضية معارك بارزة ضد حركة الشباب، وانتشرت في مقديشو ومناطق واسعة من إقليم شبيلي السفلى. لكن هذا الانتشار كلّف أوغندا خسائر بشرية كبيرة، إذ تعرضت قواتها لهجمات متكررة شنتها الحركة، بينها هجمات واسعة استهدفت قواعد تابعة للاتحاد الأفريقي.
ويأتي إعلان الانسحاب في وقت تواجه فيه بعثة الاتحاد الأفريقي أزمة تمويل مستمرة، إذ حذّر مجلس السلم والأمن الأفريقي مراراً من أن نقص التمويل وعدم انتظامه يهددان قدرة البعثة على تنفيذ مهامها، داعياً إلى توفير دعم دولي إضافي. وشدد على ضرورة أن تستند قرارات مستقبل البعثة، وسحب القوات، إلى تقييمات ميدانية للأوضاع الأمنية، وأن تُنسّق مع الحكومة الصومالية، تفادياً لحدوث فراغ أمني. وفي هذا السياق، ظلت أوغندا أحد الأعمدة الرئيسية للمنظومة الأمنية في الصومال.
ورغم مرور نحو عقدين من العمليات العسكرية التي نفذتها القوات الصومالية والدولية، لا تزال حركة الشباب، المرتبطة بتنظيم القاعدة، تسيطر على مناطق أو تنشط فيها في جنوب الصومال ووسطه. وبذلك، يشكل إعلان كاينيروغابا تحولاً مهماً في الدور العسكري الأوغندي الممتد منذ سنوات في الصومال، غير أن طبيعة الانسحاب لا تزال غير واضحة، إذ لم يتبين ما إذا كان يمثل بداية انسحاب شامل للقوات الأوغندية، أم تقليصاً تدريجياً يجرى بالتنسيق مع بعثة الاتحاد الأفريقي والسلطات الصومالية.
مخاطر أمنية على الصومال
وفي هذا السياق، يرى المحلل الأمني الصومالي محمد عبدي أفيي، في حديث لـ”العربي الجديد”، أن سحب القوات الأوغندية من جنوب الصومال في هذا التوقيت ينطوي على مخاطر أمنية كبيرة بالنسبة للبلد الذي بدأ خلال السنوات الأخيرة التعافي من تداعيات هجمات “الشباب”. ويحذر أفيي من أن هذه الخطوة قد تقوض جهود الحكومة الصومالية الرامية إلى احتواء الحركة وتعزيز نفوذ الدولة، فضلاً عن أنها قد تتيح للجماعات المسلحة والمليشيات العشائرية فرصة لمواجهة القوات الحكومية وزعزعة الاستقرار في بعض الولايات، لا سيما ولاية جنوب غرب الصومال.
ويشير إلى أن بعض المدن في الولاية شهد انتشار مسلحين موالين للرئيس السابق محمد عبد الله محمد المعروف بلقب “فرماجو”، ما يزيد من تعقيد المشهد الأمني في ظل محدودية قدرة الجيش الصومالي على الانتشار وتغطية مختلف المناطق جغرافياً. ويضيف أن انسحاب القوات الأوغندية قد يؤدي إلى نشوء فراغات أمنية في مناطق استراتيجية في جنوب البلاد، ما يتيح المجال أمام بروز مليشيات مسلحة خارج إطار الدولة، ترتبط بقوى إقليمية وخارجية وتعمل على تنفيذ أجندات خارجية، كما أن هذه التطورات من شأنها تقويض جهود الحكومة الصومالية الرامية إلى بسط سلطة الدولة وتعزيز سيطرتها على المناطق الخاضعة لنفوذها.
ويوضح أفيي أن سحب القوات الأفريقية، لا سيما القوات الأوغندية، يمثل اختباراً لمدى جاهزية القوات المسلحة الصومالية وقدرتها على سد الفراغ الأمني، وتولي مسؤولية حماية المقار والمؤسسات الحكومية. ويخلص أفيي إلى أن الانسحاب، إذا ما نُفذ فعلياً وبالتنسيق مع السلطات الصومالية، قد يحمل فوائد إيجابية، من خلال دفع القوات المسلحة إلى تعزيز قدراتها والاستعداد لمواجهة التحديات الأمنية، وتولي مسؤولية الحفاظ على الأمن والاستقرار في البلاد.
وفي السياق، يقول الصحافي الصومالي أويس عدو إن القوات الأوغندية تنتشر في مناطق استراتيجية بالصومال، من بينها مطار مقديشو الدولي والميناء الرئيسي للعاصمة، إلى جانب مناطق في جنوب البلاد. ويضيف أن انسحاب هذه القوات ليس موضع جدل باعتباره مطلباً للحكومة الأوغندية، غير أن التحدي الحقيقي يكمن في تحديد المناطق التي ستُخليها، نظراً إلى وقوع بعضها في عمق مناطق استراتيجية وقربها من خطوط المواجهة مع حركة الشباب.
ويحذر عدو من أن المخاوف الأمنية ستتفاقم في حال انسحاب القوات الأوغندية من مناطق الاشتباك في إقليم شبيلي السفلى، مشيراً إلى أن مسؤولية الحكومة الصومالية تقتصر على توفير قوات بديلة قادرة على سد الفراغ الأمني والحفاظ على المواقع التي ستُخليها القوات المنسحبة. ويشير إلى وجود قوات أخرى لم تشارك بعد في العمليات، من بينها القوات المصرية التي وافق الاتحاد الأفريقي على مشاركتها في بعثة حفظ السلام في الصومال الانتقالية، لكنها لم تبدأ انتشارها حتى الآن.
ويؤكد عدو أن الاعتماد على القوات الأوغندية يظل أمراً بالغ الأهمية في المرحلة الراهنة، التي تخوض فيها القوات المسلحة الصومالية مواجهات مع فصائل عشائرية متمردة وعناصر حركة الشباب في جنوب غرب البلاد، هذا إلى جانب أن أي فراغ أمني قد ينجم عن الانسحاب الأوغندي ستكون له تداعيات عسكرية وأمنية مباشرة على جنوب الصومال، في ظل استمرار المواجهات وتداخل التحديات الأمنية في المنطقة.
المصدر: العربي الجديد
الباحث،والكاتب/ شافعي أبتدون

