الصومال: هل يقتصر الخلاف القائم على ملف الانتخابات فقط؟

المزيد للقراءة

الصومال 🇸🇴: هل يقتصر الخلاف القائم على ملف الانتخابات فقط؟

يذهب كثير من المراقبين إلى أن الأزمة السياسية الراهنة في الصومال تتمحور حول ملفات الانتخابات، واستكمال الدستور، وتمديد الولايات الدستورية، والتنافس التقليدي بين الحكومة والمعارضة. غير أن القراءة المتعمقة للمشهد السياسي والاستراتيجي تكشف أن جوهر الخلاف يتجاوز هذه القضايا الإجرائية إلى أبعاد أكثر تعقيدًا وتأثيرًا في مستقبل الدولة الصومالية.

فعلى مدى ما يقارب ربع قرن، قامت المعادلة السياسية في الصومال على نهج التوافقات السياسية والتسويات المرحلية وإدارة الأزمات عبر الحوار المستمر بين مختلف الفاعلين السياسيين. وكان أي احتقان أو خلاف سياسي يُعالج في نهاية المطاف من خلال التفاوض والتشاور وصولًا إلى حلول وسط تضمن الحد الأدنى من التوافق الوطني.

إلا أن هذه المعادلة السياسية التقليدية تبدو اليوم أمام منعطف تاريخي واختبار استراتيجي غير مسبوق.

فالحكومة تدفع باتجاه الانتقال إلى نموذج دولة أكثر مؤسسية، يرتكز على استكمال البناء الدستوري، وتعزيز شرعية المؤسسات، وإرساء نظام انتخابي مباشر يقوم على مبدأ «شخص واحد، صوت واحد»، باعتباره خطوة نحو ترسيخ الديمقراطية وتوسيع قاعدة المشاركة السياسية.

في المقابل، تعبر قوى المعارضة عن مخاوفها من أن تؤدي هذه التحولات إلى إعادة تشكيل موازين القوة السياسية بطريقة قد تفضي إلى تركّز السلطة وتقليص مستوى الشراكة والتوازن السياسي الذي ظل يمثل أحد الأسس الحاكمة للمشهد الصومالي خلال العقود الماضية.

ومن ثم، فإن الجدل الدائر اليوم لا يتعلق فقط بمسألة من يتولى السلطة أو يدير المرحلة المقبلة، بل يرتبط بصراع سياسي وفكري حول طبيعة النظام السياسي الذي ينبغي أن تتجه إليه الدولة الصومالية، وحول شكل الحكم وآليات توزيع السلطة خلال العقد القادم.

وتزداد أهمية هذا الجدل في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تشهدها المنطقة. فالصومال لم يعد مجرد ساحة تنافس داخلي بين القوى السياسية المحلية، بل أصبح جزءًا من معادلات إقليمية ودولية تتقاطع فيها المصالح الاستراتيجية المرتبطة بالأمن البحري، وحماية الممرات التجارية الدولية، وإدارة الموانئ الحيوية، واستكشاف موارد الطاقة، وتعزيز النفوذ في منطقة القرن الإفريقي.

ولهذا السبب، تتابع القوى الإقليمية والدولية الكبرى التطورات السياسية في مقديشو باهتمام بالغ، باعتبار أن اتجاهات التحول داخل الصومال ستنعكس بصورة مباشرة على التوازنات الأمنية والاقتصادية في المنطقة بأسرها.

إن المشهد السياسي الصومالي الراهن لا يمكن فهمه من خلال الأدوات التحليلية التقليدية أو الحسابات السياسية التي حكمت المراحل السابقة، لأن البلاد تشهد عملية إعادة تشكّل شاملة تمس بنية الدولة، وطبيعة المؤسسات، وآليات إدارة السلطة، وموقع الصومال ضمن البيئة الإقليمية والدولية الجديدة.

الخاتمة

إن السؤال الأكثر أهمية اليوم ليس:

«من سيفوز بالانتخابات المقبلة؟»

بل هو:

«هل تتجه الصومال نحو تأسيس عقد سياسي جديد قائم على المؤسسات والشرعية الدستورية والانتخابات المباشرة، أم ستستمر في إدارة شؤونها السياسية عبر منظومة التوافقات والتسويات التي سادت خلال العقود الماضية؟»

إن الإجابة عن هذا السؤال لن تحدد فقط مآلات المرحلة الحالية، بل قد تشكل نقطة تحول تاريخية ترسم ملامح الدولة الصومالية لعقود قادمة، وتحدد موقعها ودورها في البيئة الإقليمية والدولية.

عبدالعزيز نور عابي
عبدالعزيز نور عابي
باحث في العلوم السياسية

Share

اقرأ هذا أيضًا