العقل العربي بلا وحي لا طائل تحته

المزيد للقراءة

*العقل العربي بلا وحي لا طائل تحته!*

*أولًا: العقل العربي قبل الوحي*

العربي قبل أن يشرق عليه نور الوحي، ولم يستنر بنور القرآن لم يكن على هدى من أمره، بل كان يتخبط في ظلمات الجاهلية، ويتردى في مهاوي الضلال، ويعيش حالة من العمى الفكري والانحراف العقدي والاضطراب الأخلاقي. كان يأكل الميتة، ويسجد للأصنام، ويستحل الخمر، ويقطع الأرحام، ويتزوج المحارم، ويجمع بين الأختين في عصمته، ويتعصب للآباء والأجداد، ويجعل من موروثاته وتقاليده ميزانًا للحق والباطل، وكان شعاره الذي يبرر به ضلاله:
﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾.

لقد سفّه القرآن أحلامهم، وكشف فساد عقولهم، وعرّى زيف موازينهم؛ فلم يكن مجرد الانتساب إلى العروبة، ولا امتلاك ناصية البيان والفصاحة، كافيًا لإنقاذهم من الضلال، ما دامت عقولهم أسيرة الأهواء والعصبيات، وقلوبهم بعيدة عن نور الهداية.

*ثانيًا: الوحي يصنع الإنسان ويعيد تشكيل الأمة*

ثم أشرق نور الوحي، فكان انقلابًا عظيمًا في تاريخ الإنسان العربي؛ إذ لم يقتصر أثره على تصحيح العقائد، بل امتد إلى تحرير العقول، وتزكية النفوس، وتهذيب الأخلاق، وإعادة بناء الإنسان والمجتمع.

كانوا أمواتًا فأحياهم الله بالإيمان، وكانوا عميًا فبصّرهم بنور القرآن،

وكانوا متفرقين فجمعهم على كلمة التوحيد، وكانوا غلاظًا جفاةً فليّنت قلوبهم آياتُ الله، وكانوا أقرب إلى حياة الوحوش في تنازعهم وتغالبهم، فربّاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على مكارم الأخلاق، ومحاسن الشيم، ومعالي الأمور.

وكانوا أذلة متفرقين، فأعزهم الله بالإسلام، ورفع ذكرهم بالإيمان، حتى أصبحوا أمةً تقود البشرية بالعلم والعدل والرحمة، بعد أن كانت تعيش على هامش التاريخ.

وهكذا لم يكن الإسلام مجرد رسالة تعبدية، بل كان مشروعًا متكاملًا لبناء الإنسان، وتحرير العقل، وإقامة الحضارة، ونشر العدالة..

*ثالثًا: العروبة وحدها لا تصنع أمة*

لم تكن اللغة العربية، بمجردها، كافية لصناعة أمة ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾؛ فالعروبة ليست صكًّا للنجاة، والفصاحة ليست دليلًا على الهداية، والانتساب إلى لغة القرآن لا يغني عن الإيمان به والعمل به.

فما أغنت العربية عن أبي جهل شيئًا، مع عروبته المتجذرة، ولا نفعت الوليدَ بن المغيرة فصاحتُه الساحرةُ وملكته البيانية الفائقة، حين سخّر ما أوتي من البيان لمحاربة الحق ومناوأة الرسالة، واضطهاد الأقارب، وتهجير الضعفاء..

بل إن بعض فصحاء الجاهلية جعلوا من قدراتهم اللغوية وسيلةً للكبر والمفاخرة، ومن أنسابهم ومآثر آبائهم أدواتٍ للتعالي على الآخرين.

فليست المشكلة في اللغة، وإنما هي في العقل الذي يحملها، والمنهج الذي يوجهه، والقيم التي تحكم صاحبه. وقد تكون الفصاحة حجةً لصاحبها إذا نصر بها الحق، وحجةً عليه إذا سخّرها للباطل.

*رابعًا: العربية بعد نزول القرآن؛ من لغة قوم إلى لغة أمة.*

لكن المشهد تبدّل تمامًا حين نزل القرآن بلسان عربي مبين؛ فقد اكتسبت العربية شرفًا عظيمًا، وأصبحت لغة الوحي، ولسان العبادة، ووعاء العلوم الشرعية، وأداة التواصل العلمي والثقافي بين شعوب الأمة الإسلامية.

ولم تعد العربية حكرًا على العرب العاربة أو المستعربة، بل أصبحت لغة المسلمين على اختلاف أجناسهم وأوطانهم وألوانهم؛ فأقبل عليها الأعاجم إقبالًا عظيمًا، وتنافسوا في تعلمها وتعليمها، وخدمتها والتأليف فيها.

بل إن كثيرًا من كبار أئمة العربية وعلمائها لم يكونوا من أصول عربية خالصة، ومع ذلك حملوا لواءها، وأسهموا في تأسيس علومها، وتقعيد قواعدها، وجمع مفرداتها، وضبط شواردها، وتقريب مسائلها.

فوضعوا النحو والصرف، وأرسوا قواعد البلاغة، واعتنوا بالمعاجم، وشرحوا غريب اللغة، وفتحوا آفاق البحث والتصنيف، حتى غدت العربية لغة علم وحضارة، تتسع للمعارف والفنون والآداب.

وهكذا كان من أعظم مفارقات التاريخ أن لغةً حملها قوم في بدايات أمرهم، ثم جاء من غيرهم من خدمها وحفظها وأبدع في علومها، حتى أصبحوا من أئمتها وأعلامها.

ومجمل المقال أخي: ليست العروبة وحدها هي التي صنعت مجد العربية، وإنما كان الوحي هو الذي منحها رسالتها الحضارية الكبرى، وكان الإسلام هو الذي جمع حولها أممًا وشعوبًا، وجعلها لغةً تتجاوز حدود القبيلة والجغرافيا، وتحمل رسالةً إنسانية عالمية.

#-الدكتور : يوسف أحمد محمد

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here

د.يوسف أحمد محمد
د.يوسف أحمد محمد
داعية إسلامي

Share

اقرأ هذا أيضًا