العلامة السنغالي عمر بن سعيد.. عالم مسلم اختطفته تجارة الرقيق فترك أقدم الشهادات العربية عن الإسلام في أمريكا.
==
يُعد الشيخ العلامة عمر بن سعيد (1770–1864) واحدًا من أبرز الشخصيات الإسلامية التي وثّقت مبكرًا الوجود الإسلامي في الولايات المتحدة الأمريكية، كما تمثل سيرته إحدى أكثر القصص تأثيرًا في تاريخ تجارة الرقيق عبر المحيط الأطلسي، إذ انتقل من حلقات العلم في غرب أفريقيا إلى العبودية في أمريكا، لكنه لم يتخلَّ عن لغته العربية ولا عن هويته الإسلامية، وترك وراءه مخطوطات أصبحت اليوم من أهم الوثائق التاريخية لدراسة الإسلام في أمريكا خلال القرن التاسع عشر.
ولد عمر بن سعيد في منطقة فوتا تورو الواقعة على ضفاف نهر السنغال، وهي إحدى أشهر المراكز العلمية الإسلامية في غرب أفريقيا آنذاك. ونشأ في بيئة علمية، فحفظ القرآن الكريم ودرس علوم الشريعة واللغة العربية والفقه والتفسير والحديث، وقضى ما يقارب خمسة وعشرين عامًا متنقلًا بين العلماء وطلاب العلم، حتى أصبح عالمًا معروفًا في منطقته.
غير أن حياته انقلبت رأسًا على عقب عام 1807، عندما تعرضت منطقته لهجوم مسلح، فقتل عدد كبير من السكان، وأُسر هو مع آخرين. وقد وصف تلك اللحظات بنفسه في مخطوطته الشهيرة قائلًا:
“لا أستطيع أن أكتب عن حياتي لأني قد نسيت كثيرًا من كلامي وكذلك كلام العرب… اسمي عمر بن سعيد، مكان مولدي فوت طور، وقد طلبت العلم مدة خمس وعشرين سنة، إلى أن جاء إلى بلدنا جيش كبير، وقتل كثيرًا من الناس، وأسروني، وساروا بي إلى بحر كبير، ثم باعوني لرجل نصراني، وحملوني في سفينة كبيرة، وسرنا في البحر شهرًا ونصفًا حتى وصلنا إلى تشارلستون.”
وصل عمر بن سعيد إلى ميناء تشارلستون بولاية كارولينا الجنوبية، أحد أكبر موانئ استقبال العبيد في الولايات المتحدة آنذاك، حيث بيع في سوق الرقيق وعمل لدى أحد ملاك العبيد المعروفين بقسوته. وبعد فترة تمكن من الفرار، إلا أن محاولته لم تدم طويلًا، إذ أُلقي القبض عليه في مدينة فايتفيل بولاية كارولينا الشمالية، ثم بيع مرة أخرى إلى المزارع الأمريكي جيمس أوين، الذي ظل يعمل لديه حتى وفاته.
ورغم سنوات الاستعباد الطويلة، حافظ عمر بن سعيد على معرفته بالعربية وواصل الكتابة بها، فدوّن سيرته الذاتية ورسائل وأدعية ونصوصًا قرآنية وتأملات دينية، لتصبح كتاباته من أندر الوثائق العربية التي كتبها عبد مسلم في الولايات المتحدة خلال القرن التاسع عشر.
وقد أثارت هذه المخطوطات اهتمام الباحثين والمؤرخين، ولا سيما سيرته الذاتية التي تُعد الوثيقة العربية الوحيدة تقريبًا التي كتبها مستعبد إفريقي بنفسه، وتكشف جانبًا مهمًا من معاناة المسلمين الذين اقتُلعوا من أوطانهم ونُقلوا قسرًا إلى العالم الجديد.
وفي عام 1995، أُعيد تسليط الضوء على تراث عمر بن سعيد بعد العثور على إحدى مخطوطاته القديمة محفوظة بين مقتنيات خاصة في ولاية فيرجينيا، وهو ما أسهم في تجدد الاهتمام الأكاديمي بسيرته وبإرث المسلمين الأفارقة في الولايات المتحدة.
عاش عمر بن سعيد أكثر من تسعين عامًا، وتوفي عام 1864، قبل أشهر قليلة من انتهاء الحرب الأهلية الأمريكية وإلغاء نظام الرق رسميًا. ودُفن في مقاطعة بلادن بولاية كارولينا الشمالية، بعد أن أمضى أكثر من نصف قرن من حياته عبدًا بعيدًا عن وطنه.
وتؤكد قصة عمر بن سعيد حقيقة تاريخية كثيرًا ما تغيب عن الوعي العام، وهي أن الإسلام وصل إلى أمريكا قبل موجات الهجرة العربية والآسيوية الحديثة بقرون، عبر آلاف المسلمين الأفارقة الذين جُلبوا قسرًا ضمن تجارة الرقيق. ورغم محاولات طمس هويتهم الدينية والثقافية، تمكن بعضهم، وفي مقدمتهم عمر بن سعيد، من الحفاظ على لغتهم وعقيدتهم، وتركوا شهادات مكتوبة أصبحت اليوم جزءًا مهمًا من تاريخ الإسلام في الولايات المتحدة، ودليلًا حيًا على صمود الإنسان أمام أقسى ظروف الاستعباد والاقتلاع.

