رأيت الشيخ بربراوي الصومالي يرد على الشيخ يوسف القرضاوي، فقلت في نفسي: هذه من غرائب هذا الزمان.
فهل يملك ربع ما كان للقرضاوي من علم، أو بلاغة، أو سعة اطلاع، أو قدرة على التأصيل والاستدلال؟ وهل يستطيع أن يتحدث بالعربية ساعة كاملة بطلاقة وعمق، كما كان يفعل القرضاوي، العالم والأديب والخطيب؟
وهل كان يمكنه أن يناقشه بالعربية نصف ساعة، وهي لغة الكتب والموسوعات؟ وهل كان يمكنه أن يدخل مع الشيخ في مناظرة علمية؟
لا شك أن الشيخ كان سيستدل بكتب لم يسمع بها البربراوي من قبل، ويذكر مسائل لم يسبق للبربراوي أن أحاط بها علمًا.
لماذا لا نحترم المقامات والمواهب؟ فليس كل من رد على عالم صار ندًا له، ولا كل من خالفه أصبح في منزلته.
وهل له مؤلفات، أو موسوعات، أو إنتاج علمي يُقارَن بما تركه القرضاوي؟ وهل يستطيع أن يقدم حلقات علمية، وفقهية، وفكرية في قنوات عالمية، سنة بعد سنة، كما كان دأب القرضاوي؟ وهل يملك موسوعة علمية يقدمها للناس؟
لا يكاد يوجد عالم من علماء الأمة في العصر الحديث إلا وقد سمع بالشيخ القرضاوي، أو قرأ له، سواء اتفق معه في مسائل، أو خالفه في أخرى. أما البربراوي، فهل يعرف علماء اليمن، أو إثيوبيا، أو المغرب، أو إندونيسيا اسمه أو كتبه؟
لقد سافر القرضاوي، ورأى العالم الإسلامي، وألف الكتب، وخطب، واهتم بقضايا الأمة، واشتعل رأسه شيبًا وهو في ميدان العلم، والتأليف، والفكر. عرفه العامة والخاصة، والعلماء وطلاب العلم، في حين أن البربراوي لا يملك -فيما أعلم- هذا الحضور العلمي، ولا هذا الإنتاج، ولا هذا التأثير.
فهل يكون ندًا للقرضاوي في العلم، والفهم، واللغة، والقبول، والتأثير، والفكر، وسعة القراءة؟
قد يقول قائل: إن الحق لا يحتاج إلى العبقرية، ولا إلى الشهرة، ولا إلى التأثير.
وأنا أقول: نعم، الحق لا يُعرف بالرجال، ولكن عندما يعرض رجل بحجم الشيخ يوسف القرضاوي مشروعًا فكريًا وفقهيًا أمام العالم الإسلامي لعشرات السنين، وتُقرأ كتبه في مشارق الأرض ومغاربها، فإن من يتصدى لنقده والرد عليه ينبغي أن يكون من أهل الفكر والعلم أولًا، وأن يكون قادرًا على فهم مشروعه قبل الاعتراض عليه.
أما أن يأتي شخص لا يملك فهمًا أو معرفة بكثير من الفنون، والعلوم، والمعارف التي أبدع فيها القرضاوي، ثم يتصدر للرد عليه، فهذه ليست منازلة بين ندين.
فكيف ترد على رجل له باع طويل في الفقه، والأصول، والفكر، واللغة، والدعوة، وله فهم شامل لعلوم متعددة، وأنت لا تزال تغرق في أول البحر قبل أن تبلغ أعماقه؟
لقد قيل قديمًا: رحم الله امرأً عرف قدر نفسه فلزمه.
ونقول للشيخ البربراوي:
يا ناطحَ الجبلِ العالي ليُوهِنَهُ
أشفقْ على الرأسِ، لا تُشفِقْ على الجبلِ
الاستاذ: عبدالرحمن راغي علي

