الوطن حين يُمزَّق بين هتاف الداخل وأطماع الخارج: الحالة الصومالية نموذجًا
«لا يخدعنك هتاف القوم بالوطن
فالقوم في السر غير القوم في العلن»
لو كُتب لهذا البيت أن يُنزَّل على واقع معاصر، لما وجد أصدق من الحالة الصومالية مثالًا. فالصومال اليوم لا يعاني فقط من التفكك السياسي أو التمزق الجغرافي، بل من أزمة أعمق: أزمة وطنية زائفة تُرفع شعاراتها في العلن، وتُقوَّض أسسها في الخفاء.
في العلن، يتحدث الجميع عن وحدة الصومال، وسيادته، ورفض التدخل الخارجي. أما في السر، فالأبواب تُفتح للأطماع الإقليمية والدولية، وتُدار الصفقات فوق حساب الأرض والشعب، ويُستخدم الانقسام كعملة تفاوض لا كخطر وجودي. وهنا تتجلى نبوءة الرصافي كاملة: القوم ليسوا واحدًا، ولا الوطن عندهم قيمة ثابتة، بل ورقة مؤقتة.
إن التفكك الصومالي لم يكن قدرًا محتومًا، بل نتيجة مباشرة لتحالف النفاق الداخلي مع الطمع الخارجي. فلا دولة تطمع في بلد موحد قوي، ولا قوة خارجية تنجح دون شركاء محليين يبررون لها التدخل، ويمنحونها غطاء “الشرعية” أو “المصلحة”. هؤلاء هم أخطر ما واجه الصومال، لأنهم لم يأتوا من وراء البحار، بل خرجوا من بين صفوفه.
الوطنية في الخطاب الصومالي أصبحت سلعة رخيصة؛ تُرفع عند الحاجة، وتُطوى عند أول اختبار. يُرفع العلم في المؤتمرات، بينما تُقوَّض الدولة في الغرف المغلقة. تُقال الخطب عن السيادة، في الوقت الذي تُمنح فيه الموانئ، والمطارات، والقرارات السيادية لقوى أجنبية، تحت ذرائع الأمن أو الاستثمار أو الحماية.
الأطماع الخارجية ليست سرًا، ولا مفاجأة. البحر، والموقع، والثروات، كلها أسباب كافية. لكن الفضيحة الحقيقية ليست في من يطمع، بل في من يُسهِّل الطمع، ويبرره، ثم يخرج للناس بخطاب وطني مزيّف يطلب منهم التصفيق والصبر.
إن أخطر ما يهدد الصومال اليوم هو هذا الانفصام بين القول والفعل. فحين تصبح الوطنية مجرد هتاف، يفقد الشعب بوصلته، ويضيع الفرق بين من يدافع عن الدولة ومن يفاوض على تفكيكها. وحين يُخوَّن كل صوت ناقد، ويُقدَّس كل خطاب عاطفي، يصبح الطريق ممهدًا لمزيد من الانقسام.
الصومال لا يحتاج إلى مزيد من الخطب، بل إلى شجاعة المواجهة مع الذات. إلى الاعتراف بأن بعض من يتحدثون باسم الوطن هم أول من يضعفه. وأن مقاومة الأطماع الخارجية تبدأ بقطع حبال التواطؤ الداخلي، لا بترديد شعارات جوفاء.
لقد أثبت التاريخ الصومالي أن الوطن لا ينهار دفعة واحدة، بل يُستنزف ببطء، تحت تصفيق المخدوعين، وصمت المتواطئين. وكما قال الرصافي، فإن أول طريق النجاة هو ألا ننخدع بالهتاف… لأن الأوطان لا تُحمى بالصوت العالي، بل بالموقف الصادق
















