الفصل: انعكاسات ومخاطر اعتراف إسرائيل بأرض الصومال على الدول الغربية والعربية
مقتبس من كتاب: قارب الشعب: رحلة السياسة والنهضة
بقلم: الدكتور حسن البصري – الباحث في السياسة والفلسفة والتصوف
مقدمة
يمثل اعتراف إسرائيل بما يسمى “صوماليلاند” خطوة ذات أبعاد استراتيجية خطيرة على المستوى الإقليمي والدولي، فهو ليس مجرد حدث دبلوماسي عابر بل انعكاس لتشابك المصالح الدولية والإقليمية، وتظهر تأثيراته على الدول الغربية والعربية على حد سواء. هذا الفصل يحلل المخاطر والانعكاسات المحتملة، مستندًا إلى تجارب سابقة في الانقسامات الإقليمية، لتوضيح أهمية التنسيق الوطني والدولي لمواجهة هذه التحديات.
المخاطر على الأمن والاستقرار الإقليمي
إن الصومال يقف اليوم على مفترق طرق، حيث قد يؤدي الاعتراف الإسرائيلي الأحادي إلى تأجيج الانقسامات الداخلية بين القبائل والفصائل السياسية المختلفة، ما يضعف الجبهة الداخلية ويهدد الأمن الإقليمي. تجارب الدول التي شهدت اعترافًا أحاديًا بأقاليم انفصالية، مثل اعتراف إثيوبيا ببعض الجمهوريات الانفصالية في القرن الماضي، أظهرت تصاعد النزاعات المسلحة وانهيار مؤسسات الدولة، وهو ما قد يتكرر في الحالة الصومالية.
كما أن فتح باب الاعتراف الخارجي يزيد من احتمالات انتشار الإرهاب والفوضى الأمنية. الجماعات المسلحة، وعلى رأسها حركة الشباب، قد تستغل الانقسام لتعزيز نفوذها، كما حصل بعد التدخلات الأجنبية في الصومال منذ عام 2006، حيث أدت الانقسامات السياسية إلى صعود حركات مسلحة وإرهابية، وزعزعة الاستقرار المحلي والإقليمي.
انعكاسات على الدول الغربية
تقع الصومال على مسار استراتيجي حيوي في القرن الأفريقي، ما يجعل أي تفكيك سياسي أو اعتراف أحادي للأقاليم يمثل تهديدًا مباشرًا لمصالح الدول الغربية. الولايات المتحدة وبريطانيا، على سبيل المثال، تعتمد على الصومال كممر لمراقبة الملاحة البحرية وخطوط التجارة الدولية، وأي اضطراب سياسي قد يزيد من تكاليف التدخل العسكري والدبلوماسي، ويهدد أمن خطوط الشحن العالمية.
بالإضافة إلى ذلك، يضع الاعتراف الإسرائيلي الدول الغربية أمام معضلة أخلاقية وسياسية: دعم وحدة الدولة الصومالية ضد الاعتراف الأحادي، أو المخاطرة بتوتر العلاقات مع إسرائيل. وتشير التجارب التاريخية في بعض ملفات الانفصال بالشرق الأوسط وشمال إفريقيا إلى أن الانحياز الأحادي يؤدي إلى أزمة ثقة بين الحلفاء، ويضعف التحالفات الدولية.
انعكاسات على الدول العربية
على المستوى العربي، يمثل هذا الاعتراف تهديدًا مباشرًا للوحدة العربية والدعم التقليدي للصومال. الدول التي دعمت الصومال تاريخياً، مثل مصر والسعودية والإمارات، قد تجد نفسها أمام تحديات سياسية ودبلوماسية، إذ أن الاعتراف الإسرائيلي يشجع بعض القوى الإقليمية على إعادة رسم خرائط سياسية جديدة دون مراعاة المصالح العربية التقليدية.
كما أن الاعتراف قد يُستغل في النزاعات السياسية الداخلية لبعض الدول العربية لتعزيز أجندات محلية، كما ظهر في حالات لبنان واليمن، مما يعكس أثرًا مزدوجًا على الاستقرار الإقليمي.
أمثلة تاريخية لمعارضة الاعتراف الأحادي
تظهر التجارب الدولية السابقة مدى خطورة الاعتراف الأحادي على الاستقرار الإقليمي:
ليبيا واعتراف إريتريا (1993): أدى إلى نزاعات إقليمية ومواجهات دبلوماسية مع الدول العربية المجاورة.
العراق والكويت (قبل 1990): التدخلات الأجنبية واستغلال الانقسامات الداخلية أضعف الدولة ومكّن القوى الخارجية من فرض أجندتها.
السودان وجنوب السودان (2011): الاعتراف الدولي المبكر أدى إلى صراعات مسلحة مستمرة وتحديات دبلوماسية لدول الجوار.
انعكاسات اقتصادية وإنسانية
يؤدي عدم الاستقرار السياسي الناتج عن الاعتراف الأحادي إلى تهديد التنمية الاقتصادية والاستثمار، حيث يتردد المستثمرون المحليون والأجانب في الدخول إلى سوق يعاني من تقلبات سياسية وأمنية متزايدة.
كما أن الانقسامات والنزاعات المسلحة قد تؤدي إلى تدفق اللاجئين نحو الدول الغربية، مما يخلق أزمات إنسانية واجتماعية إضافية، ويضع المجتمع الدولي أمام تحديات جديدة في إدارة ملف الهجرة واللجوء.
توصيات استراتيجية
تعزيز الوحدة الوطنية الصومالية: يجب أن تكون الاجتماعات الحكومية والمقاومة السياسية على أساس وطني، بعيدًا عن التجاذبات الضيقة.
التنسيق مع الدول العربية والغربية: بناء تحالف دبلوماسي واسع لدعم وحدة الأراضي الصومالية ورفض الاعتراف الأحادي.
رفع الوعي الدولي والإعلامي: إطلاق حملات إعلامية ودبلوماسية لتوضيح مخاطر الاعتراف الأحادي وآثاره على الاستقرار الإقليمي والدولي.
التخطيط الأمني الاستراتيجي: تعزيز قدرات الجيش والأجهزة الأمنية لمواجهة أي تهديد خارجي أو داخلي مرتبط بالانفصال.
خاتمة
إن اعتراف إسرائيل بـ “صوماليلاند” ليس مجرد قضية صومالية داخلية، بل اختبار لقدرة الدول العربية والغربية على حماية مصالحها الاستراتيجية ودعم وحدة الدولة. التاريخ يوضح أن أي تهاون أمام الاعترافات الأحادية يمكن أن يؤدي إلى انقسامات دائمة، نزاعات مسلحة، زعزعة الاستقرار الإقليمي والدولي، وتدفق اللاجئين نحو الغرب.
لذلك، يبقى التعاون الوطني والدولي والموقف الحازم هما السبيل الأمثل لتجنب هذه المخاطر وحماية الصومال ومصالح جميع الأطراف.
















