بين البادية والحضر!.حين يفقد الإنسان انتماءه للعادات.
ليس كل الناس يحملون ذاكرة دافئة تجاه العادات الاجتماعية، ولا كل إنسان يجد نفسه منسجمًا مع ما اعتاده المجتمع من طقوس ومناسبات!،فبعض الناس نشؤوا في بيئات متداخلة، لا هي مستقرة على تقاليد البادية الخالصة، ولا اندمجت تمامًا في حياة الحضر، فتكوَّن لديهم شعور مختلف تجاه مفهوم “العادات”.
لقد وُلدتُ في مخيم شبه حضري في loogjeelow، ثم ترعرعت في البادية زمنًا، قبل أن أنتقل لاحقًا إلى المدينة. هذا التنقل المبكر بين البيئات جعل علاقتي بالعادات علاقة غير مستقرة، فلم أتشبث بعادات البادية حتى تصبح جزءًا راسخًا من هويتي، ولم أندمج في عادات المدينة حتى أشعر أنها تمثلني بالكامل. وبين هذا وذاك وجدت نفسي أقف موقف المتأمل أكثر من المشارك في كثير من الطقوس الاجتماعية.
ومع مرور الزمن بدأت ألاحظ أن كثرة الانتقال بين البيئات قد تُضعف الإحساس بالانتماء الكامل لنمط اجتماعي واحد. فالبدوي غالبًا يحمل بساطة الصحراء ووضوحها، والحضري يتشرب تعقيدات المدينة وتفاصيل علاقاتها، أما من عاش بين الاثنين فقد يقف في منطقة وسطى حيث يفهم الجميع، لكنه لا ينتمي بالكامل إلى أحد.
ثم إن دور الثقافة هنا لا يقتصر على اختلاف البادية والحضر فقط، بل يتسع ليشمل طبقات أوسع من التجربة الإنسانية. فالثقافة في أفريقيا التي وُلدتُ فيها، ثم الثقافة في الدول العربية التي مكثت فيها زمنًا، ثم ثقافة الغرب الذي أعيش فيه اليوم، كلها عوالم متباينة، وأحيانًا متضاربة في تصورها للعادات، والعلاقات، ومعايير التعبير الاجتماعي.
هذا التعدد لا يضيف وضوحًا دائمًا، بل قد يخلق نوعًا من التداخل الداخلي، حيث تتجاور أنماط مختلفة من الفهم والسلوك دون أن تندمج بسهولة في إطار واحد.
ولذلك لا أجد في نفسي تعلقًا بكثير من العادات التي يتعامل معها الناس بوصفها جزءًا من الهوية أو من الواجب الاجتماعي. بل إن بعض هذه العادات أراها متعارضة مع قناعاتي الدينية، أو مبالغًا فيها من حيث التقديس الاجتماعي، مثل عيد الأم ونحوه من المناسبات المستحدثة التي تتحول عند البعض إلى معيار للمحبة والوفاء، مع أن البر والإحسان أوسع وأعمق من أن يُختزلا في يوم واحد.
ولا يعني هذا احتقار الناس أو ازدراء ما اعتادوه، وإنما هو اختلاف في التكوين والنظرة. فهناك من يجد ذاته في المشاركة الاجتماعية والاحتفال الجماعي، وهناك من يميل إلى البساطة، ويؤمن أن المعاني الصادقة لا تحتاج دائمًا إلى طقوس موسمية أو عناوين احتفالية.
غير أن هذا الموقف قد لا يكون بلا أثر على العلاقات القريبة! فحين يختلف الإنسان مع محيطه في فهم العادات ومعايير التعبير الاجتماعي، قد ينعكس ذلك على علاقته بأبنائه أو أصدقائه أو حتى أسرته. فقد يُساء فهمه أحيانًا، أو يُنظر إليه على أنه بارد أو غير متفاعل، رغم أن دوافعه قد تكون مختلفة تمامًا. وهنا تظهر حساسية التوازن بين القناعة الشخصية ومتطلبات العلاقة مع الآخرين.
وفي سياق أوسع، تزداد هذه التعقيدات وضوحًا في البيئات الأكثر انفتاحًا، مثل الولايات المتحدة ومن ينشأ فيها أو يعيش ضمنها. فهناك تتعدد الثقافات، وتتداخل الخلفيات، وتختلف طرق التعبير عن القرب والاهتمام بشكل كبير! وهذا الانفتاح قد يمنح حرية أوسع في اختيار الموقف من العادات، لكنه في الوقت نفسه يجعل العلاقات الإنسانية أكثر تعقيدًا، لأن كل طرف قد يأتي من تصور مختلف تمامًا لمعنى القرب والواجب والاحتفال، وبالتالي فإن العلاقات هناك-خاصة إذا كانت بين خلفيات مختلفة- تحتاج قدرًا أكبر من الفهم والتفسير المتبادل حتى لا تتحول الاختلافات الثقافية إلى مسافة عاطفية غير مقصودة.
لهذا لا أعترف عيدًا سوى ما جاء به الشرع: عيد الفطر وعيد الأضحى، فهما المناسبتان اللتان تجتمع فيهما العبادة والمعنى والهوية دون تكلف أو تصنع، وما سواهما يبقى ضمن اختيارات الناس وثقافاتهم، لا ضمن ما أراه لازمًا لي أو معبرًا عني.
وفي النهاية ليس مطلوبًا من الإنسان أن يشبه الجميع، ولا أن يتبنى كل ما تعارف عليه المجتمع حتى يكون مفهومًا أو مقبولًا. يكفيه أن يكون صادقًا مع نفسه، واضحًا مع قناعاته، ومحترمًا للناس دون أن يذوب فيهم، مع إدراك أن لكل اختيار اجتماعي أثرًا قد يمتد إلى أقرب دوائره الإنسانية.
بشاش.

