حين تغيب الأولويات وتُشترى المواقف البرلمانية

المزيد للقراءة

*حين تغيب الأولويات وتُشترى المواقف البرلمانية*

فضيلة الدكتور،

*أولًا* : غياب فقه الأولويات

يبدو أن كثيرًا من البرلمانيين لم يدرسوا فقه الأولويات يومًا، أو لم يستوعبوا مقتضياته؛ إذ لا تنطلق مواقفهم، في كثير من الأحيان، من ترتيب المصالح والمفاسد، ولا من تقدير حاجات الوطن وأولوياته، وإنما تحكمها اعتبارات أخرى لا صلة لها بالمصلحة العامة.

*ثانيًا: فساد المنطلقات لا يُنتج مواقف شريفة*

يُقال في المثل: «كل إناء بما فيه ينضح»، ويُقال أيضًا: «لا يُرجى من الأرض الخبيثة طيب الثمار».

فإذا وصل البرلماني إلى منصبه عن طريق الرشوة، أو المحسوبية، أو المناطقية، أو القبلية، أو العرقية، أو العمالة للجهات الخارجية، فكيف يُنتظر منه أن يتخذ موقفًا وطنيًا شريفًا، أو أن يدافع عن مصالح بلده ويحميها من أطماع الأعداء؟

إن من كانت وسيلة وصوله إلى المنصب فاسدة، تظل مشروعية مواقفه موضع تساؤل، وتبقى نزاهته في تمثيل الناس والدفاع عن مصالحهم محل اختبار. فالمقدمات الفاسدة لا يُرجى منها، في الغالب، أن تفضي إلى نتائج سليمة، ومن اعتاد بيع موقفه لن يكون من السهل الاطمئنان إلى ثباته على المبادئ.
ثالثًا: حين تتحول القضايا العامة إلى مواد مدفوعة الثمن

إن القضايا التي يناقشها البرلمان ينبغي أن تحددها مصلحة الوطن، وأهمية الموضوع، وآثاره العملية، وحاجات المرحلة، لا مصالح الدول الأجنبية ولا أجندات الجهات التي تسعى إلى توجيه القرار الوطني بالمال والنفوذ.

لكن المشكلة تبدأ حين يُثار الشك في أن بعض القضايا لا تُطرح لأهميتها الحقيقية، ولا لقناعة أصحابها بجدواها، وإنما استجابةً لضغوط خارجية أو مقابل منافع مالية ومصالح خاصة.

وهنا، فضيلة الدكتور، يصبح السؤال مشروعًا: هل يناقش بعض البرلمانيين هذه القضايا إيمانًا بضرورتها، واقتناعًا بجدواها، أم أن وراء الأكمة ما وراءها، وأن بعض المواقف قد دُفع ثمنها سلفًا؟

إن النائب الذي يتحدث تحت قبة البرلمان ينبغي أن يكون صوتًا للأمة، لا صدى للجهات التي تموّله؛ وأن يحتكم إلى الدليل والمصلحة العامة، لا إلى حجم المقابل الذي ينتظره.

ومن المؤسف أن تتحول بعض القضايا الحساسة، ومنها القضايا المتعلقة بالمرأة والأسرة، إلى ساحات للمزايدة الخطابية، واستعراض الشعارات، وترديد المفاهيم الوافدة دون تمحيص أو نقد علمي رصين. وقد يرفع بعض المتحدثين أصواتهم، ويستشهدون بالنصوص الدينية أو بالمفاهيم الغربية، لا لتجلية الحقائق ومناقشة الأدلة بإنصاف، بل لتبرير موقف مسبق أو كسب التأييد لقضية يتبنونها.

إن العبرة ليست بعلو الصوت، ولا بكثرة الشعارات، ولا بحدة العبارات؛ وإنما بسلامة الحجة، وصدق القصد، ونزاهة الموقف، ومدى خدمة القضية المطروحة لمصالح المجتمع وقيمه.
وإذا ثبت أن أموالًا خارجية تُستخدم للتأثير في النقاش البرلماني أو توجيه القرارات الوطنية، فإن ذلك يستوجب تحقيقًا جادًا وشفافًا، ومحاسبةً عادلةً وفق القانون؛ لأن المال حين يتحول إلى وسيلة لشراء المواقف، فإنه لا يفسد ذمم الأفراد فحسب، بل يهدد استقلال المؤسسات وثقة المواطنين بها.

وما أشد خطورة أن يصبح المال معيارًا لتحديد القضايا التي تستحق النقاش، وأن تُستبدل القناعة بالمصلحة، والحجة بالمقابل، والمسؤولية الوطنية بالمنفعة الشخصية!

*رابعًا* : من فوّض هؤلاء بتمثيلنا؟ وإلى متى يستمر هذا الواقع؟

وهنا يبرز السؤال الذي لا مفر منه: كيف وصل هؤلاء إلى مواقع تمثيلنا، وهم لا يعكسون بالضرورة تطلعاتنا الفكرية، ولا رؤيتنا الحضارية، ولا ثوابتنا الدينية، ولا مصالحنا الوطنية؟ وكيف يُعهد إليهم بالدفاع عن قضايا المجتمع، بينما يساور الناس القلق بشأن استقلال قراراتهم ونزاهة مواقفهم؟

إن التمثيل النيابي ليس مجرد مقعد يُتنافس عليه، ولا امتيازًا شخصيًا يُنال، بل هو أمانة ومسؤولية وتكليف. والنائب الحقيقي هو الذي يحمل هموم الناس، ويدافع عن حقوقهم، ويصون مصالح الوطن، ويحترم عقيدة المجتمع وقيمه، ويناقش القضايا بعلم وعدل ومسؤولية.

أما أن يتحول التنافس على البرلمان إلى صراع محموم تحركه المصالح الشخصية، أو العصبيات القبلية والمناطقية، أو الأموال المشبوهة، فذلك انحراف عن الغاية التي أُنشئت المؤسسات التمثيلية من أجلها.

إلى متى نظل نتفرج على هذا الواقع دون مراجعة جادة؟ وإلى متى يُترك المجال لمن يتنافسون على الوصول إلى البرلمان، لا من أجل خدمة الوطن، بل لتحقيق مصالح خاصة أو تنفيذ أجندات لا تنسجم مع مصالحه؟

إن الإصلاح لا يبدأ بمجرد التنديد بالفساد، بل يبدأ بمراجعة آليات اختيار الممثلين، وتعزيز الوعي السياسي، وترسيخ معايير النزاهة والكفاءة، ومحاسبة كل من يثبت تورطه في شراء الأصوات أو تلقي الأموال غير المشروعة أو استغلال المنصب لتحقيق مكاسب خاصة.

وخلاصة القول، فضيلة الدكتور:

إن الوطن لا يحتاج إلى برلمانيين يجيدون رفع الأصوات بقدر ما يحتاج إلى رجال ونساء يحملون همّه، ويفقهون أولوياته، ويستقلون بقراراتهم، ويزنون مواقفهم بميزان الحق والمصلحة العامة.
فالبرلمان الذي تُشترى فيه المواقف يفقد رسالته، والنائب الذي يرتهن قراره للمال يفقد استقلاله، والأمة التي تتخلى عن مسؤوليتها في الاختيار والمحاسبة تفسح المجال لاستمرار الخلل.

ولا سبيل إلى الخروج من هذا الواقع إلا بوعيٍ يرفض التضليل، وإرادةٍ تحارب الفساد، ومؤسساتٍ تُحاسب المخالفين، واختيارٍ شعبي يجعل الكفاءة والنزاهة والولاء للوطن فوق كل اعتبار.
فهل آن الأوان لننتقل من التفرج على المشهد إلى إصلاحه، ومن الشكوى من الممثلين إلى حسن اختيارهم ومحاسبتهم، ومن الشعارات الرنانة إلى المواقف الصادقة؟

ذلك هو السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا جميعًا.

د. يوسف أحمد محمد
السويد  18.10.2026م

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here

د.يوسف أحمد محمد
د.يوسف أحمد محمد
داعية إسلامي

Share

اقرأ هذا أيضًا