رئيس الوزراء الصومالي حمزة عبدي بري.. قائد مرحلة إعادة بناء الدولة الصومالية

المزيد للقراءة

منذ توليه رئاسة الوزراء في يونيو/حزيران 2022، وجد حمزة عبدي بري نفسه في قلب واحدة من أكثر المراحل حساسية في مسار بناء الدولة الصومالية؛ مرحلة تتقاطع فيها تحديات الأمن مع الإصلاح الاقتصادي، وإعادة بناء المؤسسات مع التحول الديمقراطي، والعلاقات الإقليمية والدولية مع الحاجة إلى ترسيخ القرار الوطني.

وبعد أكثر من أربع سنوات في قيادة الحكومة الفيدرالية، لم تعد تجربة حمزة عبدي بري تُقرأ فقط من خلال القرارات اليومية لمجلس الوزراء، وإنما من خلال المسار الذي تحاول حكومته ترسيخه في الدولة: دولة أكثر مؤسسية، واقتصاد أكثر اعتمادًا على الموارد المحلية، وإدارة عامة تقوم على الكفاءة، ونظام سياسي يتجه نحو توسيع المشاركة الشعبية.

من إدارة الأزمات إلى بناء المؤسسات

كان أحد أبرز تحديات الحكومة الصومالية هو الانتقال من التعامل مع الأزمات المتتالية إلى وضع أطر مؤسسية طويلة الأمد.

وفي هذا السياق أطلقت حكومة حمزة في مارس/آذار 2025 الخطة الوطنية للتحول 2025–2029، التي تمثل خارطة طريق لخمس سنوات، وتقوم على أربعة محاور رئيسية: الحوكمة التحولية، والتحول الاقتصادي المستدام، وتنمية رأس المال البشري والاجتماعي، والقدرة على مواجهة البيئة والمناخ.

أهمية هذه الخطة لا تكمن في إعلانها فقط، وإنما في محاولة ربط السياسات الحكومية بأهداف ومؤشرات طويلة الأجل، بحيث لا تبقى التنمية مرتبطة ببرنامج حكومة واحدة.

إصلاح الإدارة الحكومية

في سبتمبر/أيلول 2026، اتخذ رئيس الوزراء خطوة إضافية في مسار إصلاح الدولة عندما وجّه مؤسسات الحكومة الفيدرالية إلى تطبيق نظام التوظيف والتعيين القائم على الكفاءة والاستحقاق والمنافسة المفتوحة. ويستند القرار إلى الدستور وقانون الخدمة المدنية، ويستهدف إعادة تنظيم عملية اختيار الكوادر الحكومية على أساس المؤهلات والخبرة والقدرة والأداء.

ويمثل هذا التوجه أحد أكثر الملفات ارتباطًا بمستقبل الدولة؛ لأن بناء المؤسسات لا يتوقف عند إنشاء الوزارات والهيئات، بل يعتمد على نوعية الأشخاص الذين يديرونها وعلى وجود قواعد واضحة للتعيين والترقية والمساءلة.

الإصلاح الاقتصادي.. بناء قدرة الدولة على تمويل نفسها

اقتصاديًا، تزامنت فترة حكومة حمزة مع استمرار برنامج الإصلاح المالي الذي تدعمه المؤسسات المالية الدولية.

وفي ديسمبر/كانون الأول 2025، أعلن صندوق النقد الدولي إتمام المراجعة الرابعة لبرنامج الصومال، ورفع إجمالي التمويل المتاح في إطار البرنامج إلى نحو 140 مليون دولار، مع صرف فوري بنحو 30 مليون دولار. وأشار الصندوق إلى استمرار الإصلاحات المتعلقة بتعبئة الإيرادات المحلية، وإدارة المالية العامة، والقطاع المالي والحوكمة.

وتكتسب هذه الإصلاحات أهمية خاصة لأن الحكومة تسعى إلى تقليل الاعتماد على المساعدات الخارجية وزيادة قدرة الدولة على تمويل نفقاتها من الإيرادات المحلية.

لكن صندوق النقد يشير في الوقت نفسه إلى استمرار تحديات مهمة، منها انخفاض المساعدات الخارجية، وضعف النمو مقارنة بحجم الاحتياجات الاجتماعية، واستمرار المخاطر الأمنية والسياسية والمناخية.

وبالتالي، فإن الإنجاز هنا يتمثل في استمرار مسار الإصلاح وبناء المؤسسات المالية، بينما تظل عملية الوصول إلى استقلال مالي أكبر هدفًا مستقبليًا.

الأمن.. بناء الدولة يبدأ من حماية الدولة

لا يمكن الحديث عن تجربة أي حكومة صومالية دون التوقف عند الملف الأمني.
فحكومة حمزة جعلت تعزيز القوات الصومالية ومواجهة حركة الشباب من أولوياتها، في الوقت الذي انتقلت فيه مسؤوليات أمنية أكبر تدريجيًا إلى المؤسسات الوطنية.

وقد اكتمل الانتقال من بعثة الاتحاد الأفريقي الانتقالية إلى بعثة الاتحاد الأفريقي للدعم والاستقرار في الصومال في يونيو/حزيران 2025، بينما استمرت الحكومة في توسيع قدرات القوات الوطنية. ويشير صندوق النقد إلى أن الحكومة كثفت حملتها العسكرية والمالية والفكرية ضد حركة الشباب، مع بقاء الوضع الأمني تحديًا رئيسيًا.

وهنا تظهر إحدى أهم سمات المرحلة: محاولة بناء قدرة أمنية وطنية قادرة على تحمل مسؤولية الدولة، بدل استمرار الاعتماد طويل الأمد على القوات الأجنبية.

الديمقراطية والانتقال السياسي

الملف السياسي كان أيضًا جزءًا أساسيًا من أجندة الحكومة.
فالصومال شهد خلال هذه الفترة خطوات باتجاه توسيع التسجيل الانتخابي والعودة إلى الانتخابات المباشرة. ويشير صندوق النقد إلى أن الهيئة الوطنية المستقلة للانتخابات والحدود أطلقت في أبريل/نيسان 2025 حملة تسجيل الناخبين، في خطوة اعتُبرت مهمة في مسار العودة إلى الاقتراع المباشر.
كما شهد المسار الدستوري تعديلات على الفصول الأولى من الدستور في مارس/آذار 2024، مع استمرار الحاجة إلى توافق سياسي أوسع حول القواعد المنظمة للمرحلة الانتخابية المقبلة.
وهذا يجعل الإصلاح السياسي أحد الملفات التي ستحدد بصورة كبيرة كيفية تقييم المرحلة الحالية، خصوصًا أن الانتقال الديمقراطي يحتاج إلى توافق سياسي ومؤسسات انتخابية قادرة على إدارة العملية بصورة موثوقة.

رؤية تتجاوز الولاية الحكومية

من أبرز ما يمكن ربطه بقيادة حمزة عبدي بري محاولة وضع سياسات تتجاوز الإطار الزمني للحكومة.
فالخطة الوطنية للتحول تمتد حتى عام 2029، بينما ترتبط على المستوى الأبعد بـ رؤية الصومال 2060. وهذا يعكس توجهًا نحو ربط الحكومات المتعاقبة بإطار وطني طويل المدى بدل أن تبدأ كل حكومة من نقطة الصفر.
وهذه النقطة مهمة في دولة تمر بمرحلة إعادة بناء؛ إذ إن نجاح الإصلاح لا يقاس فقط بعدد القرارات التي تصدرها الحكومة، بل بقدرة المؤسسات على مواصلة العمل بعد تغير المسؤولين.
العلاقات الدولية كأداة للتنمية والأمن
وفي السياسة الخارجية، تحركت حكومة حمزة على مسارات متعددة لتعزيز علاقات الصومال مع الشركاء الإقليميين والدوليين، خصوصًا في مجالات الأمن والتنمية والاستثمار وبناء القدرات.
ويأتي هذا التحرك في وقت تحاول فيه مقديشو تحقيق توازن بين الحاجة إلى الدعم الدولي وبين بناء قدرة وطنية أكبر على إدارة الأمن والاقتصاد والمؤسسات.
ومن ثم، فإن السياسة الخارجية في هذه المرحلة لم تعد منفصلة عن مشروع بناء الدولة؛ فالشراكات الدولية أصبحت مرتبطة بصورة مباشرة بالأمن، والاستثمار، والبنية التحتية، والتدريب، والإصلاح الاقتصادي.

حمزة عبدي بري.. من رئيس حكومة إلى قائد لمرحلةبناء الدولة 

ويمكن قراءة تجربة حمزة عبدي بري باعتبارها قيادة تنفيذية لمرحلة انتقالية تحاول فيها الدولة الصومالية الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء المؤسسات.

وتتمثل أبرز ملامح هذه المرحلة في:

أولًا: وضع إطار وطني للتحول يمتد حتى 2029.
ثانيًا: مواصلة الإصلاحات المالية وبناء قدرة الدولة على زيادة الإيرادات المحلية.
ثالثًا: تعزيز المؤسسات الأمنية والقوات الوطنية.
رابعًا: الدفع باتجاه توسيع المشاركة الانتخابية والإصلاح الدستوري.
خامسًا: إصلاح الإدارة العامة والانتقال نحو التوظيف القائم على الكفاءة والاستحقاق.
سادسًا: ربط العلاقات الخارجية بالأمن والتنمية والاستثمار.

ولكن التقييم الموضوعي للمرحلة يتطلب أيضًا الاعتراف بأن ملفات رئيسية لم تُحسم بصورة نهائية؛ فالتحديات الأمنية مستمرة، والاقتصاد لا يزال يحتاج إلى نمو أسرع وقدرة أكبر على خلق الوظائف، كما أن المساعدات الخارجية لا تزال تلعب دورًا مهمًا، بينما يحتاج المسار السياسي والانتخابي إلى توافق أوسع واستقرار مؤسسي.
إرث المرحلة
وفي نهاية المطاف، قد لا يكون الإرث الأهم لحكومة حمزة عبدي بري مشروعًا واحدًا أو قرارًا منفردًا، وإنما المؤسسات والقواعد التي يمكن أن تستمر بعد انتهاء الحكومة.
فإذا تمكنت إصلاحات الخدمة المدنية من ترسيخ مبدأ الكفاءة، وإذا استمرت الإصلاحات المالية في زيادة الإيرادات المحلية، وإذا تطورت القوات الوطنية إلى مؤسسة أمنية مستدامة، وإذا نجح المسار الانتخابي في توسيع المشاركة الشعبية، فإن تأثير هذه المرحلة سيتجاوز حدود حكومة واحدة.
وهنا تكمن أهمية تجربة حمزة عبدي بري: ليس فقط باعتباره رئيسًا للحكومة منذ 2022، وإنما باعتباره أحد القادة التنفيذيين الذين يعملون في مرحلة تاريخية تحاول فيها الصومال إعادة تعريف الدولة، وإعادة بناء مؤسساتها، وتحويل الاستقرار السياسي والأمني إلى أساس للتنمية طويلة الأمد.
والاختبار النهائي لهذه المرحلة سيبقى في قدرة الدولة على تحويل الإصلاحات المعلنة إلى مؤسسات مستقرة، وتحويل الخطط الوطنية إلى نتائج ملموسة، بحيث تصبح الدولة أقوى من الأشخاص، والمؤسسات أقدر على الاستمرار من الحكومات.

إعداد: عبدالرحمن سهل يوسف- محرر موقع قراءات صومالية 

Share

اقرأ هذا أيضًا