عن اللّيل!

المزيد للقراءة

ها هي الكلمات تتسابق إلى ورقتي البيضاء وها هي الأفكار تأتي من هنا وهناك لتحوّل بياض الرِّقعة وصفائها إلى سواد حالك ، وإهاب قاتم ، وحينها بدأت أتناول قلمي وأشدّ عليه أناملي بينما أقرع سنّه بسنّي، هنا يبدأ الشعور وهنا تتساقط عليّ أوراق الإبداع لأن الشمس قد أفلت ولأن النَّهار قظ أدبر حثيثا وأسدل الليل من بعده حجابه.

كأنه يهمس بأن الآن حان موعد الكتابة، وأن حمائم الأيك قد توقفت عن الترنيم وأصبح الحادي المغرّد وحدي فقط، ولكن عن ماذا سأكتب ؟!.

عنادا، سأكتب عن الليل نفسه، لأن القلم نفسه قطعة من سواد الليل، ولأنني أحبّ لغة الصمت أكثر من لغة الكلام لذلك نوّبت القلم عن شفتاي حتى يبوح بأسراري!.

الليل هو صديق يخفف عن الأعباء ويغيّر لنا الأجواء ، الليل نفحة لطيفة من نفحات الطبيعة تعيدنا إلى السكون بعد الحركة فتعطينا مهلة نتذكّر فيها ما مضى ونستعدّ للآتي!.

لكن وهل عاد الليل ليلا بعد أن بدّلوا أوصافه، واستنسخوا خصاله، وشوّهوا سمعته مع اعتقادهم أنهم أحسنوا خلّته، كالفتيّة الناهدة الكاعبة التّي صبغت جسمها كلّ أدوات التجميل لكي تبيِّض وجهها وتسوّد شعرها فلا هي وصلت إلى ما أرادت ولا هي بقيت على حالها!.

ولو أنها استقبلت من أمرها ما استدبرت لما بدّلت إهاب الطبيعة بإهاب مستحدث، وهكذا هو الليل حين أسرجوا السُّرج وأوقدوا الوهج فقد لذّة المناجات وتحلّل من المميّزات ، فلا عاشق يذكره عشيقته ولا مجنون يهمس في أذن ليلاه، لأن الليل أصبح كالنهار إلا أن الأوّل نوره مستورد بينما الآخر ضيائه أصيل!.

لم يبق من محاسن الليل إلا تلك النجوم الساهرة والتّي وكأنها بلسان حالها تقول : لك أيها العاشق وانيت ولأجلك أتيت، حتي أخفّف عنك لوعة الفراق وبُعد التلاق، وتلك الهالة في دائرة القمر كأنّما هي قلادة في عنق حسناء وذاك القمر الذي بقي صامدا وكأنه يتحدّى الإنسان الذي تجرأ في أن يحتلّ مكانه فاصطنع نورا زائفا وزعم أنه يستغني من ضياء القمر، هذا كلّ ما تبقى من الليل!.

لكن وها هم سجنوني بين أربعة جدران حيث خيّلوا لي بأن هذا السراج أوقد من سراج القمر فلم يبق لي قلب مرتاح وها بدأت عيوني تزحف إلى الغروب قبل سنّ العشرين!.

ولكنني أعلمك أيها الليل أنك لم تزل أنيسي بعد، فدقائق أخرج إلى سطح البيت وأمتع نظري بمناجاتك وبالحديث الصامت معك أفضل لي ما استحدثوه من لَمْبات زائفة ونور لا يدوم.

محمد عثمان الودلي
محمد عثمان الودلي
كاتب وأديب مقيم في الخرطوم- السودان

Share

اقرأ هذا أيضًا