في السنة الثالثة في الجامعة -التي كانت عامرة بالنقاش- وفي السادسة والعشرين من عمري، بدأتُ غواية الكتابة، وكان الفضل في ذلك يعود إلى «الأسبوع الثقافي» لـ جامعة افريقيا العالمية . Africa International University ، الذي كان يتضمن فعاليات أدبية ومسابقات ثقافية وأمسيات شعرية ومساجلات فكرية.
ولكي يدرك القارئ أثر هذا المكان في تكويني، لا بد من الإشارة إلى ما يميّز جامعة إفريقيا التي حوّلتها مليشيات الدعم السريع إلى ثكنات عسكرية وعنابر لتعذيب الأبرياء. فإلى جانب بعدها الأكاديمي، كانت محضنا لكل الأفارقة، من أقصى الجنوب إلى أبعد نقطة في شمال القارة، ومن جناحها الشرقي إلى الغرب المطلّ على المحيط الأطلسي.
وكانت كذلك أرضا خصبة للأفكار، وميدانا فسيحا للتنوّع الثقافي والثراء اللغوي والتعدّد العرقي. ومن خلالها تعرّفتُ على إفريقيا وتعقيداتها، وقصصها وأساطيرها، وقبائلها وحروبها، وجمالها ونضالها ضد الطغيان الأوروبي، ثم فشلها لاحقا في تثبيت أركان دولة القانون في كثير من بلدانها. وكان السودان من أكثر البلدان الإفريقية حضورا في تلك الذاكرة.
وعلى ذكر السودان، فإن الركام المنتشر، وأزيز الرصاص، ودويّ المدافع في الخرطوم، يذكّر الصوماليين بما مرّوا به من النكبات، وما مرّت به عاصمتهم بعد الانهيار الكبير. لقد عانت مقديشو من ويلات الحروب وموجة من الدمار الهائل، ووقعت في أيدي مليشيات قبلية حوّلتها إلى مدينة للخوف والموت والأشباح، بعد أن كانت منارة حضارة، ومدينة ثقافة، وحاضنة تاريخ.
أمّا الخرطوم، مدينةُ العلم والقلوب المتّسعة للحوار والرأي المخالف، فإن ما يجري فيها يؤلمني. ولا أراه صراعا داخليا سودانيا، بل واقعة تترك أثرها عليّ بحكم ما تمثّله الخرطوم في الوجدان؛ ذلك أنها العاصمة التي فتحت ذراعيها لأجيال من الصوماليين وأنقذت مستقبلهم بعد أن فقدوا دولتهم. ومع ذلك، وفي خضمّ الليل الحالك، فإن الأمل ما زال يرفرف بجناحيه، وما زال السودانيون ينتظرون فجر الخلاص وإسكات البندقية.
ولعلّ تماسك الجيش السوداني وارتداده السريع وتحريره معظم المدن والولايات يشير إلى أن السودان قد تخطّى المرحلة الحرجة وتفادى الانهيار الكلّي والشامل لمؤسسات الدولة ورمزيتها.
وبعيدا عن هذا الاستطراد الذي فرضته المناسبة، فإن عدوى الكتابة أصابتني قبل هذا التاريخ بسنوات. كان ذلك عقب إعلان “التحالف من أجل إرساء السلام ومواجهة الإرهاب” المدعوم من الولايات المتحدة وحلفائها في مقديشو في فبرير عام 2006م.
كان التحالف الذي جعل مديرية دينيلي جنوب العاصمة مقرا له ظاهرة غريبة لم يألفها الصوماليون من قبل، إذ رفع شعار محاربة الإرهاب أو المدّ الإسلامي في البلاد، إلى جانب مناهضته للحكومة الانتقالية الوليدة آنذاك التي كان قادته أنفسهم يتمتعون بعضويتها.
لذلك هاجمه الصوماليون، ولاسيما التيارات الإسلامية والمتأثرون بخطابها وأفكارها، كلٌّ بالأداة التي يجيدها والعمل الذي يتقنه، فنتج عن ذلك آلاف الأبيات وعشرات المقالات والكتب التي تناولت تلك المرحلة الحرجة من تاريخ الصومال.
وممّا ضاعف الشرارة والرفض الشعبي لذلك التحالف، الذي وُئد بعد أشهر قليلة إثر معارك طاحنة مع ثورة شعبية قادتها المحاكم الإسلامية، أنه ضمّ في صفوفه أبرز زعماء الفصائل المسلحة في مقديشو. وقد مثّل هذا التشكيل، في نظر كثير من الصوماليين، إجهاض الدولة الوليدة ومحاولة لإعادة إنتاج سلطة أمراء الحرب تحت لافتة جديدة.
وعكست تلك المواجهة صورة قريبة مما يسميه علماء السياسة بـ«فخ ثوسيديدس»، حيث عجزت القوة المهيمنة، المتمثلة في زعماء القبائل واللوردات، عن احتواء أو التكيف مع صعود القوة الجديدة، وهي اتحاد المحاكم الإسلامية. وقد أدى هذا التوتر بين الطرفين إلى اندلاع صراع دموي مرير، انتهى بهزيمة زعماء المليشيات وانسحابهم من العاصمة، مما مهد لتحول كبير في موازين القوى داخل البلاد وأعاد تشكيل المشهد السياسي والأمني بصورة جذرية.
كنتُ من ضمن أولئك الذين أُجِّجت مشاعرهم وأضرمت في نفوسهم الحماسة وتحركت حميّتهم الدينية بعد ذلك الإعلان المشؤوم، فكتبتُ بعد يومين من اندلاع الحرب مقالي الأول. كان يحمل خيطا من الثورية والغضب، ومناهضا لمصاصي الدماء الذين أثقلوا كاهل المجتمع بالنهب والسلب والجبايات. وفي سطور المقالة أشدتُ ببطولات المحاكم الإسلامية التي وقفت صفا واحدا في مواجهة زعماء الحرب، وتصدت لدخول القوات الحبشية إلى العمق الصومالي.
منذ ذاك التاريخ لم أنشر مقالا من يُراعي لبُعدي عن الوسط الثقافي والزخم الذي يساعدني على الكتابة، إلى أن التحقتُ بالجامعة. غير أن فوز أحد الأصدقاء بالمركز الأول عن فئة «القصة القصيرة» أثار فيّ الشجون، وسألتُ نفسي: ما الذي ينقصني لكي أشارك في المسابقات الثقافية؟ لم أجد جوابا مقنعا غير أنني لا أتقن علوم اللغة العربية من نحو وصرف وبديع وبيان ومعان وغيرها من فنون لغة الضاد.

