كيف الرجاء من الخطوب تخلصا؟!

المزيد للقراءة

لدى الصوماليين مشكلات كالسيل العرم بعضها أفظع من بعض، إلا أنني أعتقد ويعتقد كثير من الصوماليين بأن المشكلة الأولى التي يجب أن نواجهها أولا هي مشكلة فقدان الأمن، وإن كان ثمة سبب رئيس لما نحن فيه من الأزمات التي تمس الجانب الاقتصادي والجانب الاجتماعي والجانب السياسي والجانب الذي يتعلق بأن شخصا ما يريد أن يأكل العنجيرا ذات مساء ولا يستطيع فعل ذلك هو فقدان الأمن،واحتمالية أن شخصا ما سيتم اغتياله، أو أن قنبلة ما ستنفجر في أي لحظة هو احتمال “وللأسف” كبير جدا في الصومال، وإن بلدا هذه حاله لا يمكن أن يفكر إطلاقا في أي شيء آخر، ولذلك كان من الضروري أن يُتناول أي موضوع يتعلق بقضية الأمن أولا في سبيل إيجاد بيئة حاضنة للتقدم الذي بالضرورة يحتاج إلى شيء من تباين الرؤى والأفكار، وشيء من التعايش الفكري، ومن هذا المنطلق أعتقد أن الفكر السلفي لعب دورا كبيرا ولا يزال في هذا الموضوع ليس فقط لكونه فكرا، ورغم أننا ندرك أن واقع أي مجتمع يعكس فكره، إلا أن الفكر السلفي تجاوز كونه مجرد فكر إلى ممارسة واقعية لعقود من الزمن وهذا ما يضفي للأمر أهمية أعتقد أنها القصوى من بين كل المسائل المطروحة اليوم في سبيل إيجاد حياة آمنة.

يتبادر إلى ذهن القارئ سؤالا وجيها وهو أن الفكر السلفي هو فكر منتشر في بلدان العالم الإسلامي، وهو نمط فكري كغيره من الأنماط الفكرية التي تتواجد في أي بلد إسلامي، لكن لا نجد أن هناك من يهول من تأثيرها، ويعتبرها عنصرا أساسيا يجب التعامل معها أولا دون كثير من المشكلات التي يعاني منها العالم الإسلامي اليوم، حسنا، لقد حدث في الصومال ما لم يحدث في أي بلد إسلامي آخر، كان قدر الصوماليين أن يتزامن انهيار حكومة سياد برّي مع بزوغ شمس السلفيين، وهو تزامن لم يكن ليحصل ما حصل اليوم من دونه البتة، ورغم أن سبب انهيار حكومة برّي كان الجبهات المسلحة ذات الخلفيات القبلية، إلا أنها سرعان ما نشب قتال شرس على أساس قبلي سالت فيه دماء كثيرة، وأضاعت فرصة الجبهات في تولي زمام البلد وإعادة مياه السياسة إلى مجاريها، وكان الفكر الوهابي حينها يتشكل جنبا إلى جنب محاولا فرض رؤيته الدينية “السياسية” والتي في بعض الأحيان كانت تؤدي إلى مواجهات مسلحة مع بعض الجبهات والقبائل، وبعد فترة انتبه بعض القياديين في حركة الاتحاد الإسلامي إلى خطورة الموقف بعد خوض بعض الحروب الخاسرة، وحاولوا تجميد الجناح العسكري لحركة الاتحاد الإسلامي والذي كان يضم عناصر فعالة تدربت على يد القاعدة في أفغانستان والذي سيقود حركة الشباب فيما بعد، لكن الفكر أبى ذلك فوُلدت حركة الشباب المجاهدين، ومنذ أن تجاوز الصومالييون حروب العصابات القبلية أصبح الخلفية الوحيدة التي على أساسها يسال دماء المسلمين اليوم في الصومال هو الفكر الوهابي الذي يمتلك تفسيرا خاصا به حول مفهوم الدولة، وما ينبغي أن يكون عليه الأمر، وبناء عليها اليوم تقاتل حركة الشباب اليوم وتفجر من أجل تحقيق الدولة الإسلامية من وجهة نظرها هي، وتستبيح دماء المسلمين لمسائل يتفق عليها كل السلفين تقريبا، ما أحاول قوله هو أن الفكر السلفي في الصومال حصل على فرص ثمينة لم يحصل عليها الفكر في أي بلد إسلامي آخر، وهو أنه وجد نفسه في بيئة منهارة غاب فيها السلطة وأصبح قانون الغابة فعالا، وبناء على رؤيتهم الموحدة التي تجاوزت في كثير من الأحيان حاجز القبيلة التي لم يسهل للمعارضة الصومالية أن تتجاوزه، توافر لهذا الفكر فرصة للسيطرة على البلاد وهو الأمر الذي لم يتم بشكل كامل مع وجود سيطرة جزئية، وعلى أية حال إن السؤال القائم اليوم الذي يجب على هذا الفكر أن يجيب عليه هو، بما أن السيطرة المطلوبة لم تتحق حتى يتم فرض الرؤية السلفية للدولة بشكل كامل اليوم، ما هي الدولة المناسبة اليوم في ظل هذه الظروف الراهنة؟

إن محاولة التخلص من حركة الشباب اليوم تصدر عن رغبة صادقة من كل أطياف المجتمع لما عانى من ويلات حركة الشباب التي يصعب على أن يسلم بيت صومالي من تأثيرها السلبي، ومن ضمن من تضرر منهم وبشكل رئيسي هي حركة الاعتصام التي هي الأم البيولوجي لحركة الشباب، والأم المعنوي الحاضنة للتوجهات التي تعمل عليها حركة الشباب إلى يومنا هذا وهذا الأمر الذي يصعب على الفكر السلفي الاعتصامي والجامي، ورغم أنهم لا يألون جهدا كما هو واضح في واقعنا اليوم وبالتحديد حركة الاعتصام، إلا أنهم يصرخون في وجه حركة الشباب صرخة الذي تلدغه الحية من حيث لا يدري ولا تزال أنيابها مغروزة فيه، يا لها من صرخة صادقة لكنها بحاجة إلى شيء من الصفاء الذهني والتفكير مليا في جوهر الأزمة.

هناك مسائل عدة ينبني عليها أساس الفكر الذي في سبيله يراق دماء المسلمين اليوم، على سبيل المثال -لا الحصر- الرفض الشرس الذي وُوجه الحكومات الصومالية بالتحديد حكومة عبد الله يوسف وحكومة الشيخ شريف وهما أول رئيسين تزامنت فترة رئاستهما أصعب مرحلة مرت عليها الأمة الصومالية، ووضعا لبنة لمظاهر الدولة التي يتمتع به المجتمع الصومالي اليوم عندما استعانا بقوى خارجية “كافرة” وذلك بموافقة البرلمان الصومالي على محاربة اتحاد المحاكم الإسلامية والتي كانت تضم حركات إسلامية عدة، من بينها حركة الاعتصام وحركة الشباب كجنين في بطن أمه في تلك الفترة، مع بعض القوى الإسلامية ذات البعد الإخواني، ولم تستمر تجربة المحاكم الإسلامية طويلا إذ إن عمر الاتحاد كان غاية في القصر، كما أن الاتحاد قدم خدمة عظيمة للمجتتمع الصومالي وتخلص في وقت وجيز من أمراء الحرب الذين أذاقوا البلاد ويلات إثر ويلات، لكنهم سرعان ما أتبعوا حسنتهم سيئة لا تقل عنها لرفضهم تقديم أي تنازلات في التفاوض، وكانت رسالته إما تقبل طريقتي أن يكون الحرب هو الطريق الوحيد، وحالت دون دخول الرئيس المنتخب عبد الله يوسف وحكومته لعاصمة البلاد ليبدأوا بناء دولة تجمع كافة الصومالين ولتبدأ مسيرة النهضة لهذه الأمة المنكوبة، لقد ثار في وجه عبد الله يوسف كل التوجهات السلفية متهمة إياه بالكفر، وبلهجة صارمة تنادي محاربة الرئيس المنتخب لردته باستعانته ب”الكفار”، وبثت بشكل مكثف عبر منابرهم تلك الرؤية التي كانت تبدوا صارمة وفي لغة واثقة لا تقبل أدنى شك بأن الحرب القائمة بين الحكومة وبين اتحاد المحاكم الإسلامية هو جهاد بين الكفر والإيمان يجب على كل مسلم أن يشاركه، وأن الأمر متعلق بمسألة الولاء والبراء ولا يمكن من دونها أن يستقيم إسلام المرء، والغريب في الأمر أنه وفي وقت وجيز جدا، اندلع حرب ضروسة بين حركة الإعتصام وبين حركة الشباب لأسباب تقنية دون أن يلتفت إلى هذه المسائل التي أُشرب المجتمع الصومالي بأقصى لهجة يمكن لخطاب أن يستعمله حتى أصبح مسلمة من المسلمات لدى كثير من المجتمع الصومالي، بل أضيف أنه وبسبب تفكك حركة الاعتصام من الناحية الإدارية أصبح هناك محاولات فردية لإعادة النظر في بعض هذه المسائل وبشكل خجول في الغالب لأسباب لا أريد أن أستطرد فيها هنا، إلا أن السمة العامة لهذا التوجه من الناس لا يزال هو ذاته الذي يدرّس في المعاهد الدينية، وفي حلق المساجد، وعبر القنوات الحديثة، الآن ومع التشابه التام بين الظروف التي كان يعمل فيها الرئيس السابق عبد الله يوسف والظروف التي يعمل فيها الرئيس الحالي حسن شيخ محمود من ناحية الاستعانة بالقوات الدولية، ودون أن يُراجع هذه المسألة التي وسمت يوسف بالكفر ومن جاء بعده من الرؤساء، ومع استمرار نشر ذات الفكر في أوساط الناشئة الذين كما نعلم لا يحسنون المعالجة الفكرية، يريد رواد الفكر السلفي غير حركة الشباب المجاهدين أن تواجه حركة الشباب بشعارات سطحية منشغلين بالعوارض متجاهلين الباعث الأهم والذي يلعب الدور الأهم وهو الفكر.

إن أي محاولة من قبل التوجه السلفي المناوئ لحركة الشباب “الاعتصام، والجامية”، في سبيل التغلب على حركة الشباب لن يكون مجديا ما لم يتم مواجهة الأساس الجوهري الذي بسببه يسيل دماء المسلمين اليوم، وأن يتم مراجعة الفتاوى التي بموجبها اُستحل كثير من دماء المسلمين، إما أن هذه الفتاوى لم تكن خاطئة، وهنا نحن بحاجة إلى مسيرة من النقاش الفكري الحر، والذي لا ينبغي أن يشكل ضررا على المشاركين فيه، أو أن المراجعات قد حصلت بالفعل وكل ما نريده هو نشرها بذات الحماس والكثافة التي نُشرت به الفتاوى السابقة، وبنفس اللهجة الصارمة التي لا تدع مجالا للشك، وهذه بالمناسبة سمة رئيسة من سمات الخطاب السلفي.

في نظري أزمة المجتمع الصومالي مع الفكر السلفي غير مقتصر على هذا الشأن فحسب، إنها أزمة متجذرة في الثقافة الصومالية بشكل عام، وهو أمر لا يسمح بأن يكون هناك تطور في شتى مجالات الحياة، فالفكر السلفي لا يملك مشروعا سياسيا يمكن أن يضم إلى صفه مخالفيه مهما بغض النظر عن حجم الخلاف، ولا مشروع ثقافي يتجاوز حدود هذا الفكر، ولا يملك أدنى معرفة بالعلوم الطبيعية والإنسانية، ورغم ذلك يحارب جميع هذه الأمور وينازعها في مجالاتها بحكم الفهم السلفي للدين والذي ينبني على أن الدين هو المرجع الذي يمكن أن يجيب عن كل الأسئلة الدينية والدنيوية بشكل دقيق ومفصل وهذا كله متوقف على رؤيتهم الخاصة، لكن ذلك كله لا يشكل عائقا أمام الصوماليين، ما يشكل عائقا بحجم صور الصين العظيم هو ملف الأمن والمسائل الفقهية المتعلقة بهذا الملف، وحالنا أصبح اليوم بحال أصحاب قصة “من الذي كان يؤذن آنفا” وهي قصة يتداولها الصوماليون على أنها قد وقعت في الحقيقة، وهي أن مجنونا يحمل هراوة كبيرة دخل مسجدا وذلك بعد أن انتهى المؤذن من الأذان لتوه وجلس بين الناس الذين ينتظرون الصلاة، وقف المجنون في المحراب وصاح في الناس مغضبا: “من الذي كان يؤذن قبل قليل” فلم يستطع أحد أن ينبس ببنت شفة، بعبارة أخرى كون الرجل مجنونا هي مشكلة بحد ذاتها،لكن ليست هي المشكلة الكبرى، المشكلة الكبرى هي أنه يملك هذه القوة التي لم يكن متوفرا لأي من المصلين، وبناء عليه ابعاد تلك الهراوة من يده هي الخطوة الأولى التي ينبغي على المصلين أن يقوموا بها، ومسألة معالجته أو الاهتمام بحالته الصحية أمر يتوقف على ابعاد تلك الهراوة أولا.

إن الشعب الصومالي وبشهادة كثيرة من التقارير الدولية هو أكثر شعوب العالم تدينا، وأهم من التقارير الدولية أن تدين الصوماليين هو أمر يفخر به السلفيون الصومالييون أنفسهم بل ويعدون أن انهيار آخر دولة قوية للصوماليين كانت خطوة إيجابية للإسلام في الصومال، فمن الغريب أن يكون الصومال أكثر دولة تُسال فيه دماء المسلمين باسم الإسلام بينما أن الشعب الصومالي هو أكثر شعوب العالم تمسكا بالإسلام، إنها مفارقة غاية في الغرابة، وأعتقد أنه آن الأوان أن يفهم الفكر السلفي أن الشعب الصومالي المسلم لا يقل تدينا وحبا لله ورسوله من رواد الفكر السلفي، وأن الخلافات قائمة على تباين الفهوم والتفسيرات لذات الدين الإسلامي الذي يعتنقه هذا الشعب، وبناء عليها يجب نزع السلاح “فكريا” قبل نزع السلاح الفعلي، والتسليم بأن الجميع هنا يحاول تطبيق الشريعة الإسلامية، وعلى ذلك يجب أن يفتح باب النقاش الجاد على مصراعيه، وتناول القضايا الجوهرية دون أي خوف من أي تنمر فكري وعنف محتمل، وحينما يفهم الفكر السلفي أن فقهه لن يرتقي أبدا إلى أن يكون آية من عند الله لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، ملزمة الجميع الانقياد التام له، حينها يمكن بإذن الله أن تقوم لهذه الأمة المنكوبة قائمة، وينكمش دور هذا الفكر لينضم في صف التوجهات الإسلامية الموجودة في الصومال اليوم، ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله.

يبقى أن أشير إلى أمر مهم في هذا الصدد وهو أن غرضي من تسليط الضوء على هذا الموضوع ليس اقتراحا مني أن يتم التعامل مع التوجهات السلفية غير حركة الشباب “الاعتصام والجامية” بمثل ما يتعامل به حركة الشباب نفسها من عنف مضاد، ولا يستقيم أن أدعو إلى العنف في سبيل نبذ العنف، ولو حصل ذلك سأكون شخصيا الخاسر الأكبر دون أي مزايدة، ما أريد قوله هو أنه يجب علينا أن نراقب الأفكار ونتخلص من تلك التي تحمل العنف في جوفها كي يكون للصوماليين واقع خال من العنف، وبيئة حاضنة للتقدم، وبما أن الأمر الذي أشعل فتيل الحروب التي تخوضها حركة الشباب كان فكرا، يجب علينا أن نهتم بهذا الجانب ونعالجه ونطرحه للنقاش الجاد، بعبارة أكثر وضوحا، على الفكر السلفي أن يعيد النظر في مسائل كثيرة كالمسائل التي تتعلق بالدستور والدولة التي يسعى إلى تحقيقها، وتعريف حدودها وتعريف مواطنيها، وموقفهم من الآخر وما يتعلق بالتعامل معهم وتصورهم عن الجهاد والعلاقات الدولية، والردة وما يترتب عليها من أحكام، وإلا فخطاب الفكر السلفي وقود ينصب على النار المشتعلة في الصومال اليوم.

Share

اقرأ هذا أيضًا