كيف تُبنى الدولة حين يصبح الفساد معيارًا للنجاح الاجتماعي؟

المزيد للقراءة

كيف تُبنى الدولة حين يصبح الفساد معيارًا للنجاح الاجتماعي؟

من يتابع المشهد السياسي الصومالي لا يصعب عليه أن يلاحظ حجم التبدل الذي يطرأ على مواقف وخطابات كثير من السياسيين تبعًا للظروف والمواقع التي يشغلونها. فبعضهم يتحدث بلغة تختلف باختلاف موقعه من السلطة، حتى أصبح المشهد في كثير من الأحيان أقرب إلى تبدل الألوان منه إلى الثبات على المبادئ.

وغالبًا لا يكون هذا التحول نابعًا من مراجعات فكرية أو اجتهادات سياسية مشروعة، بل تحركه المصالح الذاتية والنزعة النفعية والانتهازية الضيقة وحسابات الربح والخسارة.

فحين يكون السياسي في موقع السلطة والنفوذ، يرفع شعارات الوطنية ووحدة البلاد والمصلحة العليا للدولة، ويُظهر حرصًا كبيرًا على الشأن العام ثم لا يلبث أن يتغير عندما يفقد موقعه أو يتراجع نفوذه، فيتحول إلى خطاب قبلي أو فئوي يخدم مصالحه الآنية ويساعده على استعادة مكانته السياسية. ويكشف هذا التحول أن البوصلة التي توجه مواقفه ليست المبادئ والثوابت الوطنية، بقدر ما هي اعتبارات المصلحة الشخصية ومتطلبات الظرف السياسي.

وقد عبّرتُ عن هذه الظاهرة في هذه الأبيات الشعبية القصيرة (Shirib)، التي تختزل واقعًا يشهد عليه كثير من الصوماليين اليوم:

Mar waa Qaran, Mar Waa Qabiil == Marna Qurbaawi Qaswadaa

وتعكس هذه الأبيات حالة فئة من الساسة الذين لا تستند مواقفهم إلى ثوابت وطنية راسخة، بل تتبدل توجهاتهم تبعًا لما يخدم مصالحهم في كل مرحلة بحيث يتحدثون تارةً  باسم الوطنية والمصلحة العامة، وتارةً أخرى يلجؤون إلى الخطاب القبلي عندما يحقق لهم ذلك مكاسب شخصية أو حزبية.

ومن أبرز مظاهر هذا التناقض أن كثيرًا منهم يختارون العيش خارج البلاد مع أسرهم، ويوجهون أموالهم واستثماراتهم ومستقبل أبنائهم إلى دول أخرى، بينما يواصلون الحديث عن الوطنية ومستقبل الدولة من بعيد. ولذلك فإنهم لا يعيشون في الغالب التداعيات اليومية لانعدام الأمن أو تراجع الخدمات أو الأزمات الاقتصادية كما يعيشها المواطن العادي الذي لا يملك وطنًا بديلًا يلجأ إليه. وهذا ما يثير تساؤلات مشروعة حول مدى ارتباط بعض النخب السياسية بمصالح الوطن الحقيقية، وحول ما إذا كانت الأولوية لديهم للوطن أم للمصلحة الشخصية.

ولعل الواقع العملي يقدم شواهد عديدة على ذلك بحث يلاحظ المواطنون أن بعض من يتولون المناصب العامة تشهد أوضاعهم المالية تغيرًا سريعًا خلال فترة وجيزة، فتظهر عليهم مظاهر الثراء وتتراكم لديهم الأموال بصورة لا تنسجم مع الرواتب الرسمية أو الإمكانات المشروعة المتاحة لهم.

وفي حالات كثيرة يبدو أن الهاجس الأكبر لبعض المسؤولين ليس تطوير المؤسسات أو خدمة المواطنين، بل استغلال الموقع العام لتحقيق مكاسب شخصية ومادية. ولا يقتصر الأمر على المسؤول نفسه، بل قد تمتد دائرة الاستفادة إلى الأقارب وأفراد العشيرة والمحيطين به، فيتحول المنصب العام من أداة لخدمة المجتمع إلى وسيلة لتوزيع المنافع الخاصة وتوسيع النفوذ.

غير أن الأخطر من الفساد نفسه هو النظرة الاجتماعية التي تتسامح معه أو تحتفي به. فبعض الذين جمعوا الثروات من خلال المناصب العامة يتحولون في نظر قطاعات من المجتمع إلى نماذج للنجاح تستحق الإعجاب والتقدير، بغض النظر عن مصدر تلك الأموال أو الوسائل التي جُمعت بها.

وبدلًا من أن يكون معيار الاحترام هو النزاهة والإخلاص والكفاءة وحسن أداء المسؤولية، يصبح معيار النجاح حجم الثروة التي خرج بها المسؤول من منصبه. وهكذا يُتغاضى عن إساءة استخدام السلطة، وتُهمَّش الأسئلة المتعلقة بالأمانة والشفافية والمال العام.

وينتج عن ذلك ترسيخ ثقافة خطيرة مفادها أن المنصب العام ليس مسؤولية لخدمة المواطنين، بل فرصة للإثراء الشخصي وجمع النفوذ والثروة.

كما تصل إلى الأجيال الصاعدة رسالة سلبية مفادها أن النجاح في الحياة العامة يُقاس بما يجنيه الإنسان من مال ومكاسب، لا بما يقدمه من خدمات وإنجازات لوطنه ومجتمعه.

ويزداد هذا الواقع خطورة في ظل ضعف آليات المحاسبة والمساءلة. ففي كثير من الحالات لا توجد مراجعات جادة أو تحقيقات شفافة حول الثروات التي جُمعت أثناء شغل المناصب العامة. وبعد انتهاء المسؤولية، يحتفظ بعض المسؤولين بما جمعوه من أموال ونفوذ ومكانة اجتماعية دون أن يُسألوا عن مصادر ثرواتهم أو كيفية الحصول عليها.

ومن أكثر الجوانب إيلامًا في هذه الظاهرة أن بعض الفئات البسيطة تنظر بإعجاب إلى أصحاب تلك الثروات، متأثرة بالمظاهر الخارجية للنجاح، دون الالتفات إلى الأبعاد الدينية والأخلاقية والوطنية المتعلقة بمصدر المال وطريقة اكتسابه.

وقد صوّر القرآن الكريم هذا المعنى في قصة قارون حين قال تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [القصص: 79].

فبعض الناس لا ينظرون إلى مشروعية الوسيلة، وإنما ينظرون إلى النتيجة النهائية المتمثلة في المال والجاه والنفوذ مما يكشف أن المشكلة لا تقتصر على المسؤول الفاسد وحده، بل تمتد إلى خلل أعمق في الوعي المجتمعي ومنظومة القيم.

فالمجتمعات التي لا تميز بين المال الحلال والمال المكتسب بغير حق، ولا تربط التقدير الاجتماعي بالنزاهة والاستقامة، تكون أكثر عرضة لانتشار الفساد وتآكل قيم العدالة والأمانة والمسؤولية.

وهكذا تتحول المناصب العامة، التي أُنشئت أساسًا لخدمة المجتمع وصون المصلحة الوطنية، إلى وسائل لتحقيق المكاسب الشخصية وتوسيع النفوذ العائلي أو القبلي أو الحزبي.

ولا يقتصر ضرر ذلك على الحاضر فحسب، بل يمتد إلى الأجيال القادمة، إذ يرسخ ثقافة الفساد ويجعل من استغلال السلطة نموذجًا يُحتذى بدل أن يكون سلوكًا مستنكرًا.

كما يؤدي هذا النهج إلى إضعاف ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة، وتقويض هيبتها ومصداقيتها، وتعطيل بناء إدارة عامة تقوم على النزاهة والشفافية وسيادة القانون. وعندما تتقدم المصالح الخاصة على المصلحة الوطنية، تفقد الوظيفة العامة رسالتها الحقيقية، وتتحول المسؤولية من أمانة لخدمة الوطن إلى وسيلة لتحقيق المنافع الشخصية.

ويبقى السؤال الجوهري مطروحًا: كيف يمكن لمجتمع أن يبني دولة قوية ومستقرة إذا أصبح الفساد معيارًا للنجاح الاجتماعي، واستغلال المنصب طريقًا إلى المجد والثراء؟

إن بناء الدولة لا يبدأ بالقوانين والمؤسسات وحدها، بل يبدأ بإصلاح منظومة القيم، وترسيخ ثقافة النزاهة والمساءلة، وربط المكانة الاجتماعية بخدمة الوطن والإخلاص له، لا بحجم الثروة التي تُجمع من المال العام.

فالأمم لا تنهض حين يُكرَّم الفاسد ويُهمَّش الأمين، وإنما تنهض عندما يصبح الصدق والأمانة والكفاءة هي المعايير الحقيقية للتقدير والنجاح.

بقلم: علي أحمد محمد المقدشي

Share

اقرأ هذا أيضًا