لياري.. ذاكرة إفريقية !

المزيد للقراءة

لياري.. ذاكرة إفريقية !
من قصة المهاجرين إلى قضية أكثر إيلاما، قصدتُ ذات مساء لياري، حيَّ الأفارقة الباكستانيين، أو ما يُعرف بـ«مكراني شيديس»، برفقة  Guuyac، التي كانت ترويكا الكرة والأغاني الصومالية الكلاسيكية والشعر الجزل تخلق بيننا روحا مشتركة.

في طرف قصي من الحي بدا المجتمع الأفرو-باكستاني وكأنه يعيش حياة شبه بدائية في مناطق يغمرها الفقر والعزلة. كان الجميع يحذر من الذهاب إليه؛ حتى الطلبة الصوماليون تأثروا بالرواية المحلية التي تقرن الحي بالجريمة والمخدرات. ورغم أن كلمة «شيدي» يرجح أنها تحريف لكلمة «سيدي»، فإنها في التداول الشعبي اكتسبت دلالات ازدرائية، وتستعمل أحيانا بمعنى «عبد» أو «بلطجي» في أحسن الأحوال.

يقدر عددهم بين مئة ألف ومئتين وخمسين ألفا، يتمركزون في السند وبلوشستان، مع امتدادات في الهند وسريلانكا. ويعدون أكبر تجمع ذي أصول أفريقية في جنوب آسيا. ورغم السردية المحلية التي تصفهم بأحفاد العبيد، إلا أن خلفياتهم -حسب التاريخ- ليست جميعها عبودية؛ فقد كان فيهم تجار، وغواصو لؤلؤ، وجنود، بل وحكام محليون في فترات متعاقبة. وتشير بعض الروايات إلى أن أقدم وصول لهم إلى السند كان زمن محمد بن القاسم، كما تزايد حضورهم في الحقبة المغولية حين فضل بعضهم في الجيوش لما عرفوا به من قوة بدنية وصلابة في المعارك. وهذا لا ينفي أن جانبا كبيرا منهم وصل عبر شبكات تجارة الرقيق بين القرنين الثامن والتاسع عشر.

وصلنا الحي عند المغيب. وبما أنني مولع بكرة القدم، والحي بأكمله عاشقٌ للساحرة المستديرة، بخلاف كراچي المهوسة بالكريكيت، توجهتُ إلى ملعب لياري، أحد أهم معاقل الكرة في المدينة.

في وجوه الشباب الذين يمارسون هواياتهم في ملعب يُعدّ مهدا للاعبين الموهوبين، كانت الملامح السواحلية واضحة، بينما كانت لغتهم “اُوردية” دافئة النطق، ولا تشبه سحناتهم. وكلما سجّل أحدهم هدفا، ارتفعت رقصاتٌ أفريقية وإيقاعات ساحلية وثيقة الصلة بإرث أفريقيّ راسخ أبى أن يمحوه دجى النسيان. لقد ذهبت اللغة الأم بفعل قرون من الذوبان، وبقيت الملامح والمورثات الثقافية. واعتمادا على معرفتي بملامح وثقافة شرق أفريقيا، أعتقد أنهم من المنطقة ما بين مومباسا وزنجبار.

بعد تقسيم شبه الجزيرة الهندية، وفي دولة قامت على فكرة الإسلام وطنا لمسلمي شبه القارة، كان الشيديون يتوقعون انتقالا من الهامش إلى المساواة. غير أن كثيرين منهم ما زالوا يشعرون بأنهم يراوحون مكانهم؛ فهم محرومون من الفرص والوظائف أو المناصب الحكومية. وحتى إن لم توجد قوانين مكتوبة تكرس هذا الإقصاء، فإن الأعراف والتصنيفات الاجتماعية تضع سقفا غير مكتوب لطموحاتهم وسعيهم نحو العدالة الاجتماعية.

كثير من الباكستانيين يؤكدون أن الأفارقة الباكستانيين رضخوا لواقع تمييزي طويل، ولم يبدوا مقاومة أو رفضا قاطعين للممارسات العنصرية، وهو أمر يبدو مفهوما في ظل تراكم الإذلال والإقصاء عبر أجيال، وترسخ الاعتقاد بأن الحراك لا يغير شيئا في موازين مختلة سلفا، وهذا يذكرني حتما بأفكار فرانز فانون ومالك بن نبي، التي ترى أن القهر لا يكتفي بإخضاع الجسد، بل يتسرّب إلى أعماق النفس، حتى يغدو العجز قدرا، والتهميش واقعا لا فكاك منه.

وبعد ساعتين من التجوال والترقب عن كثب، غادرت لياري تاركا خلفي شعب عاشق للحياة، وملامح أفريقية صامدة وموسيقى نابضة ظلت في سمعي، وسؤالا يتردد في داخلي: كيف يستعيد الشيديون فاعليتهم الكاملة، لا بوصفهم هامشا يبحث عن العدالة، ولا ظلّا لتاريخ العبودية، بل نبتَ الأرض وروح الوطن؟

حسن محمود قرني
حسن محمود قرني
كاتب ومدون صومالي

Share

اقرأ هذا أيضًا