من الصراع الديني إلى التعايش السلمي والتصامن: قراءة تاريخية في العلاقات الصومالية الأورومية من القرن السادس عشر إلى العصر الحديث

المزيد للقراءة

من الصراع الديني إلى التعايش السلمي والتصامن: قراءة تاريخية في العلاقات الصومالية الأورومية من القرن السادس عشر إلى العصر الحديث
====
شهد القرن الإفريقي خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر الميلاديين تحولات سياسية وعسكرية ودينية عميقة، كان من أبرزها اتساع نفوذ الجماعات المعروفة في المصادر التاريخية باسم «الغالا» (Galla)، وهي تسمية تاريخية استُخدمت للإشارة إلى الجماعات المعروفة اليوم باسم الأورومو (Oromo)، وإن كانت لا تُفضَّل في الاستعمال المعاصر.

ويُعد مؤلَّف الراهب والمؤرخ الحبشي بحري (Bahrey)، المعروف بعنوان Zenahu le Galla، الذي أُلّف نحو سنة 1593م، من أبرز المصادر المبكرة التي تناولت الجماعات الأورومية وتحركاتها العسكرية. كما يقدم المؤرخ محمد حسن (Mohammed Hassen) في كتابه The Oromo and the Christian Kingdom of Ethiopia, 1300–1700، الصادر سنة 2015م، دراسة موسعة لدور الأورومو في التحولات التي شهدتها إثيوبيا، موضحًا أن وجودهم في المنطقة سبق موجات التوسع الكبرى خلال القرن السادس عشر.

وكانت قطاعات واسعة من الأورومو تتبع معتقدات دينية تقليدية، من أبرزها الواقِفَنّا (Waaqeffannaa)، القائمة على الإيمان بإله أعلى يُعرف باسم «واقا» (Waaqa). وقد شكّل اختلاف هذه المعتقدات عن الإسلام والمسيحية أحد أوجه التمايز الديني بين المجتمعات المتجاورة، قبل أن ينتشر الدينان تدريجيًا بين جماعات أورومية مختلفة خلال القرون اللاحقة.

ولم تكن الجماعات الأورومية آنذاك خاضعة لسلطة سياسية مركزية موحدة، بل تألفت من مجموعات واتحادات متعددة، اعتمدت في تنظيم شؤونها على مؤسسات اجتماعية وسياسية، من أبرزها نظام الغادا (Gadaa)، القائم على تداول القيادة كل ثماني سنوات، والمجالس التشاورية والأعراف المنظمة للحياة الاجتماعية والعسكرية. وقد ساعد هذا النظام على تنظيم شؤون الجماعات الأورومية وتعبئة قواها، رغم اختلاف أوضاعها السياسية والاجتماعية من منطقة إلى أخرى.

وفي تلك المرحلة، كانت سلطنة عدل الإسلامية تواجه تداعيات حروبها الطويلة مع المملكة الحبشية المسيحية، ولا سيما بعد مقتل الإمام أحمد بن إبراهيم الغازي، المعروف بأحمد غُري، سنة 1543م. فقد أضعفت تلك الحروب القوى المتنافسة، وأحدثت اضطرابات واسعة في المناطق الخاضعة لنفوذها، بينما أخذت التحركات الأورومية تتسع نحو هرر وبالي والأقاليم المجاورة.

وبرز الأمير نور بن مجاهد خلال منتصف القرن السادس عشر بوصفه أحد أبرز القادة الذين سعوا إلى استعادة القوة العسكرية لسلطنة عدل وحماية مركزها الإسلامي في هرر. وقد واجه تحديات متزامنة تمثلت في استمرار الصراع مع المملكة الحبشية، وتصاعد الضغوط الأورومية على المناطق المحيطة بالمدينة.

وارتبط عهده بتعزيز التحصينات الدفاعية لهرر، التي أصبحت من أهم المراكز الإسلامية في شرق القرن الإفريقي. وبعد وفاته نحو سنة 1567–1568م، شهدت المنطقة اضطرابات سياسية وعسكرية متزايدة، إلى أن انتقل مركز سلطنة عدل إلى أوسا سنة 1577م. وتشير وثائق منظمة اليونسكو المتعلقة بمدينة هرر إلى أن التوسع الأورومي، إلى جانب المجاعات واضطراب طرق التجارة، أسهم في تقلص نفوذ السلطنة وتراجع سيطرتها السياسية.

ومع ذلك، احتفظت هرر بمكانتها مركزًا للتعليم الإسلامي والتجارة، واستمرت علاقاتها بالجماعات الأورومية المحيطة بها في التطور. ومع بروز سلالة علي بن داود سنة 1647م، دخلت المدينة مرحلة جديدة من الحكم المحلي، واستمر دورها الديني والتجاري.

ولم تقتصر التحولات المرتبطة بالتوسع الأورومي على مناطق هرر وبالي، بل امتدت إلى جنوب الصومال، حيث كانت سلطنة الأجوران الإسلامية من أبرز القوى السياسية في المناطق المرتبطة بنهري جوبا وشبيلي. وقد شهدت تلك المناطق تنافسًا بين جماعات صومالية وأورومية على الأراضي والمراعي ومصادر المياه ومناطق النفوذ.

ويُعد كتاب المؤرخ لي في. كاسانيللي (Lee V. Cassanelli)، The Shaping of Somali Society: Reconstructing the History of a Pastoral People, 1600–1900، الصادر سنة 1982م، من المراجع المهمة لفهم التاريخ السياسي والاجتماعي لجنوب الصومال، والتحولات التي شهدتها السلطة الأجورانية والمجتمعات المجاورة.

وتنسب بعض الروايات التاريخية المحلية والمرويات الشفوية مواجهات مع الجماعات المعروفة تاريخيًا باسم الغالا إلى سلطنة الأجوران. وفي المنطقة الممتدة بين نهر جوبا في الصومال ونهر تانا في كينيا، أسهمت التحركات السكانية والمواجهات بين جماعات مختلفة في إحداث تغيرات مهمة في توزيع السكان ومناطق الاستيطان.

وقد تناول المؤرخ إي. آر. تورتون (E. R. Turton) هذه التحولات في دراسته المنشورة سنة 1975م في مجلة The Journal of African History، بعنوان Bantu, Galla and Somali Migrations in the Horn of Africa: A Reassessment of the Juba–Tana Area، الصفحات 519–537.

ورجّح تورتون أن جماعات الغرّي الصومالية (Garre)، أو أسلافها، كانت قد استقرت في أجزاء من المنطقة قبل وصول جماعات الأورما الأورومية (Orma)، وأن التحركات الأورومية خلال القرن السادس عشر أسهمت في إعادة تشكيل أنماط الاستيطان ودفع بعض الجماعات إلى الانتقال نحو مناطق أخرى.

وفي خضم هذه الصراعات والتحولات السكانية، أخذ الإسلام، الذي شكّل عنصرًا أساسيًا في الهوية الدينية للسلطنات الإسلامية الصومالية، ينتشر تدريجيًا بين قطاعات من المجتمعات الأورومية، فأصبح مع مرور الزمن أحد أبرز عوامل التقارب الديني والاجتماعي بين الطرفين.

وقد أسهم انتشار الإسلام بين قطاعات من الأورومو، إلى جانب التجارة والتجاور والمصالح المشتركة، في توسيع مجالات التواصل مع سكان هرر والمجتمعات الصومالية المسلمة. ويعكس ذلك تحولًا تدريجيًا من بعض أشكال المواجهة العسكرية والدينية السابقة إلى التفاعل الاقتصادي والاجتماعي والتقارب الديني، مع اختلاف توقيت هذا التحول من منطقة إلى أخرى، وفقًا لما توضحه الدراسات التاريخية ووثائق اليونسكو المتعلقة بمدينة هرر.

وهكذا، فإن العلاقات بين الصوماليين والأورومو لم تبقَ أسيرة المواجهات العسكرية التي شهدتها بعض مناطق القرن الإفريقي خلال القرن السادس عشر، بل تطورت عبر قرون من التجارة والتجاور والمصاهرة والتواصل الإسلامي، حتى أصبح التقارب الديني والاجتماعي أحد أبرز ملامح العلاقات بين قطاعات واسعة من المجتمعين، ولا سيما في المناطق الحدودية التي يتجاور فيها الصوماليون والأورومو، حيث نشأت بينهم مصالح اقتصادية مشتركة وروابط دينية وعائلية وثقافية متينة.

ولم يقتصر هذا التقارب على التعايش الاجتماعي والمصالح المتبادلة، بل امتد إلى صور من التضامن والمساندة؛ إذ وقف الصوماليون، في مراحل تاريخية مختلفة، إلى جانب إخوانهم من مسلمي الأورومو خلال ما تعرضوا له من أزمات ومحن في ظل الحكومات الإثيوبية المتعاقبة.

غير أن هذا الإرث التاريخي الطويل لم يمنع تجدد الصراعات في العصر الحديث، ولا سيما في المناطق الحدودية بين الإقليم الصومالي وإقليم أوروميا داخل إثيوبيا، وكذلك في بعض المناطق التي تتجاور فيها المجتمعات الصومالية والأورومية في شمال كينيا.

فقد شهدت المناطق الحدودية بين الإقليمين خلال سنة 2017م مواجهات عنيفة أسفرت عن سقوط ضحايا ونزوح أعداد كبيرة من السكان حيث وثقت منظمة هيومن رايتس ووتش (Human Rights Watch) انتهاكات طالت مدنيين من المجتمعين، وأشارت إلى دور قوات أمنية ومجموعات مسلحة في تأجيج العنف. وتكشف هذه الأحداث أن جذور التوترات سبقت وصول آبي أحمد إلى رئاسة الوزراء، وأنها ترتبط بعوامل تاريخية وسياسية وإدارية متراكمة.

ومع تولي آبي أحمد رئاسة الوزراء الإثيوبية سنة 2018م، برزت آمال بإمكانية تجاوز جانب من الخلافات القومية والسياسية التي أثقلت تاريخ إثيوبيا وعلاقاتها بالصومال، وأثرت في استقرار القرن الإفريقي عمومًا.

وكان من المنتظر أن يشكل وصول آبي أحمد، المنحدر من القومية الأورومية، فرصة للاستفادة من الروابط التاريخية والدينية والاجتماعية التي تجمع قطاعات واسعة من الأورومو والصوماليين، بما يعزز التفاهم بين القوميتين داخل إثيوبيا، ويسهم في إعادة بناء العلاقات بين الدولتين الإثيوبية والصومالية على أساس الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.

غير أن سياسات حكومة آبي أحمد تجاه الصومال أثارت انتقادات واسعة، إذ يرى منتقدوها أن بعض توجهاتها لم تختلف جوهريًا عن ممارسات حكومات إثيوبية سابقة، وأنها أعادت إحياء مخاوف تاريخية لدى الصوماليين بشأن سيادة دولتهم ووحدة أراضيها.

وقد بلغ التوتر الدبلوماسي بين الدولتين مرحلة حادة في الأول من يناير 2024م، عندما وقّعت الحكومة الإثيوبية مذكرة تفاهم مع سلطات أرض الصومال بشأن الحصول على منفذ بحري، في خطوة اعتبرتها الحكومة الفيدرالية الصومالية مساسًا بسيادتها ووحدة أراضيها.

وأعادت هذه الأزمة إلى الواجهة الخلافات السياسية والتاريخية بين إثيوبيا والصومال، وأثارت مخاوف من انعكاساتها على العلاقات بين المجتمعات المتجاورة، بما فيها المجتمعات الصومالية والأورومية.

وكان الأجدر بحكومة آبي أحمد أن تجعل من الروابط التاريخية بين الصوماليين والأورومو رصيدًا سياسيًا لتعزيز الاستقرار، وأن تستثمر التقارب الديني والاجتماعي بينهما في معالجة الخلافات القومية والحدودية داخل إثيوبيا، وفي بناء علاقات أكثر استقرارًا واحترامًا مع الدولة الصومالية.

فبدلًا من إعادة إنتاج السياسات التي عمّقت انعدام الثقة وأحيت حساسيات تاريخية بين القوميتين وبين الدولتين، كان بالإمكان تبنّي نهج يقوم على المصالحة والعدالة والتفاهم، بما يحول دون تجدد التوترات في المناطق التي يتجاور فيها الصوماليون والأورومو، ولا سيما مويالي والمناطق الحدودية الأخرى في شمال كينيا وجنوب إثيوبيا.

وتعيد توترات الجديدة في مويالى إلى الذاكرة صفحات من التاريخ شهدت مواجهات دينية واجتماعية وسياسية بين بعض الجماعات الأورومية والقوى الإسلامية في هرر وبالي والمناطق الصومالية، وصولًا إلى منطقة نهر تانا في كينيا. غير أن استحضار تلك الأحداث لا يعني أن النزاعات الحديثة امتداد مباشر للحروب القديمة، بل يوضح حجم التحولات التي مرت بها العلاقات بين المجتمعين، وأهمية عدم التفريط بما تحقق من تقارب ديني واجتماعي وثقافي عبر قرون.

كما أن استمرار الخلافات السياسية بين الحكومتين الإثيوبية والصومالية يهدد فرص التعاون الإقليمي، ويضعف الثقة التي تحتاج إليها المجتمعات المتجاورة للحفاظ على أمنها ومصالحها المشتركة. ومع ذلك، لا ينبغي الخلط بين النزاعات المحلية بين الجماعات داخل إثيوبيا وشمال كينيا والخلافات الدبلوماسية بين الدولتين؛ فلكل منها أسبابها وأطرافها، وإن كانت التطورات السياسية قد تؤثر في المناخ العام للعلاقات بين المجتمعين.

وعليه، فإن المسؤولية التاريخية الملقاة على عاتق القيادات السياسية المعاصرة في المنطقة، وفي مقدمتها القيادتان الإثيوبية والصومالية، تتمثل في الاستفادة من دروس الماضي، وحماية الروابط الدينية والاجتماعية بين الشعبين، واحترام سيادة الدول وخصوصياتها الثقافية والتاريخية.

ولذلك فإن مستقبل العلاقات الصومالية الأورومية، وكذلك العلاقات بين إثيوبيا والصومال وعموم منطقة شرق أفريقيا، ينبغي ألا يكون امتدادًا لصراعات الماضي، بل فرصة لتجاوزها وبناء شراكة قائمة على العدالة والاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.

المراجع والمصادر

بحري (Bahrey)، Zenahu le Galla، نحو 1593م، مصدر تاريخي مبكر عن التحركات الأورومية.

محمد حسن (Mohammed Hassen)، The Oromo and the Christian Kingdom of Ethiopia, 1300–1700، 2015م، دراسة تاريخية عن الأورومو وعلاقاتهم بالقوى السياسية في المنطقة.

لي في. كاسانيللي (Lee V. Cassanelli)، The Shaping of Somali Society: Reconstructing the History of a Pastoral People, 1600–1900، 1982م، مرجع في التاريخ الاجتماعي والسياسي لجنوب الصومال.

إي. آر. تورتون (E. R. Turton)، «Bantu, Galla and Somali Migrations in the Horn of Africa: A Reassessment of the Juba–Tana Area»، The Journal of African History، المجلد 16، العدد 4، 1975م، ص 519–537.

منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، وثائق الترشيح التاريخية الخاصة بمدينة هرر المحصنة (Harar Jugol, the Fortified Historic Town).

منظمة هيومن رايتس ووتش، World Report 2018: Ethiopia، بشأن النزاعات والانتهاكات المرتبطة بالتوترات الإثنية في إثيوبيا.

بقلم: علي أحمد محمد المقدشي

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here

Share

اقرأ هذا أيضًا