هل جددت بطاقتك القديمة؟:
(حوار بين حارث وهمام )
قال حارث لصاحبه همام : لماذا لا تجدد بطاقتك ، لأن نهاية صلاحيتها طال بها الزمن ، ولا يليق بك أن تبقى خارج الصندوق ، والعاقل من لا يفوّت الفرص، ويحسن التعامل مع الواقع الذي يعيش فيه، ومن الغباوة أن يتكاسل المرء بإهمال الأمر الذي يكون سببًا لتيسير أمره ، وتحقيق مآربه ، ويتيح له طرق الأبواب والولوج في الأبواب المغلقة التي لا تُفتح إلا بهذه البطاقة الساحرة ، التي هي أسمى من مسمّاها ، وهي التسهيل .
قال همام: بطاقتي الشخصية أو البنكية تتجدد تلقائيًّا ما لم يكن هناك طارئ قانوني ، وأما بطاقة المواصلات العامة فلا تتجدد ما لم أدفع الرسوم . لا أدري أي بطاقة تقصد؟ .
قال حارث: ظننتك عاقلًا لبيبًا فطنًا ، يفهم بالإشارة ، ويقرأ ما بين السطور ، ويستطيع فك الشفرات والطلاسم ، ولكن خاب ظني فيك ، فما أنت إلا بليد غبي تنقصه النباهة .
قال همام : ليس الأمر بذاك السوء ، ولكني أحب التصريح دون التعريض، فما شأن هذه البطاقة التي تبشرني بها ؟.
قال حارث: عهدي بك أنك ممن يرفعون عقيرتهم في الشأن الدعوي حسب قدرتك ، ولكن الفرص المتاحة أمامك لا تلبي طموحاتك ، وأن المساحة التي تحتاج أن تتحرك فيها تتقلص دونك ، فما لم تجدد بطاقتك القديمة التي علاها النسيان ، وأفقد عدم المبالاة بها مفعولها ، فإني أخاف أن يأتي يوم لا تستطيع استعادتها ، ولو فعلت المستحيل .
قال همام : هلا وضحت لي مقصدك يا صديقي؟.
قال حارث : عد إلى جماعتك القديمة ، وتصالح مع قيادتها ، وقدّم قربان الطاعة لهم ، فإن ذلك كافٍ لتجديد عضويتك واستعادة مكانتك ، لتنعم بعد ذلك بامتيازات لا تحصى .
قال همام: حركتي الأولى محل تقدير واجلال ، ولكن لم يبق لها أثر ، ولا عنوان ، ولا شارة ، ولا رسم ، بل لا أحد يريد أن يتذكرها .
قال حارث : غيّرت الحركة اسمها ، وطوّرت حالها ، وتحول كل أعضائها تلقائيا إلى النظام الجديد ، فما الذي منعك من أن تكون مع زملائك ؟ ، هل هناك تجاهل مقصود أم لا ؟ ، أم ضاعت السجلات ، فلم تُعرف بعض الأسماء؟ والظاهر أن هناك خللًا ما في الأمر.
قال همام: إذا كانت الحركة تهتم بأمور الدعوة ، أفلا يمكن المشاركة في أنشطتها من غير الانتساب إليها ؟ ، وهل هذا من مطالب الشرع ؟ .
قال حارث: لا تفهم الأمر خطأ يا صاحبي ، الأمر مجرد تنظيم وتوزيع للمهام بشكل جيد ، ثم إن حماية الدعوة من كل ما يشوّه وجهها الجميل أمر ضروري .
قال همام: إذا كانت عضويتي السابقة لم تشفع لي ، فماذا تزيدني العضوية الجديدة ، غير التوصل إلى سراب وتيه جديد لا يزيدك إلا مزيدًا من الذل والاستكانة لمن لا يعرفك، ويتعامل معك بنوع من التعالي؟ .
أخي حارث: تنظيم أمور الدعوة ، وجمع الجهود ، والتخطيط المنظم ، وتولية أهل العلم والدعوة الحقيقيين إلى قيادتها ، مطلوب شرعًا وعقلًا ، ولكن الأمور تغيرت ، ولم يعد الأمر إلى صفائه كما كان سابقا، يوم كان العلم قليلا ، والموارد شحيحة ، ولكن التفاني والتعاون كانا على أشدهما .
الغريب يا صاحبي ، أن اليوم كثر العلم والعلماء والمساجد والمراكز ، وتوسعت الموارد ، وازدادت حاجة الناس إلى الدعوة ، ولكن الصدور ضاقت ، والقلوب تنافرت ، والخلافات تصاعدت، وأصبح التدابر سيد المواقف ، إلا من رحم ربك .
يا صاحبي ، يشتكي بعض المنتسبين إلى الحركات من عدم توافر الفرص بين الأعضاء ، وانتشار المحسوبية ، وغير ذلك من الأمور التي يصعب الحديث عنها ، فهل تريد أن أكون جزءًا من صراع لا نهاية له .
ألا يكفي أن يكون العلم ، مهما كان مستوى حامله، رحمًا بين أهله، وأن يكون انتشار الدعوة وتعليم الناس وهدايتهم، بغض النظر عمّن قام بها، أسمى أمانينا ؟ .
قال حارث : أبعدت النجعة يا رفيقي ، نحن متفقون على هذا وأكثر ، ولكن نريد أن نحقق أكبر نجاح في هذا المجال ، بيد أن هذا لا يمكن إلا إذا وجدت مجموعة من طلبة العلم يجمعهم رابط تنظيمي يحميهم من المتطفلين الذين يسببون لهم الصداع ، وما عرضته عليك إلا أن أسهّل لك الطريق ، وأفسح لك المجال ، وأفتح لك الأبواب الموصدة أمامك ، فإن قبلت نصيحتي ورحبت بعرضي فذاك مما أتوقعه منك ، وإن رفضته وأصررت على موقفك، فلا أستطيع مساعدتك، فمع السلامة.
قال همام : أعلم يا أخي حارث أن الدعوة إلى الإسلام مسؤولية عظيمة، ينبغي أن يساهم فيها كل من يحمل علما شرعيا ، ولو كان قليلًا ، وميدانها واسع ، والعامة بحاجة إلى من يفيدهم ، فهل تؤيد احتكار المنابر ، واستقطاب الناس ، وتقسيمهم إلى أحزاب وفرق ، وتقريب من يتوافق معك في الرأي ، وإبعاد من لم يكن كذلك؟ ، فهذا العمل نوع من وضع العقبات في طريق الدعوة ، وحرمان الناس ممن يفيدهم ، وإجبار الدعاة على الانطواء والعزلة .
فهل يا صاحبي أعدت النظر في هذه المسألة ؟.
ثم ساد بينهما صمت قصير ، يحاول كل واحد منهما استعادة الحوار مع نفسه . ثم قال حارث : يبدو أنك لم تفهم فائدة البطاقة كما ينبغي ، فعليك أن تتريث قليلًا ، وتعطي نفسك فرصة أخرى للتأمل والتفكير ، ولا تستعجل في اتخاذ القرار ، فربما تغيّر قناعاتك وتتخذ قرارا يعود عليك بالنفع .
ابتسم همام وقال : بل فهمتها جيدًا ، وعرفت أن بعض البطاقات تفتح الأبواب ، وتسهّل الوصول ، وتجلب المصالح ، ولكنها تغلق أبوابا أخرى أوسع منها قدرا ، وأكثر منها نفعا ، وأقل منها كلفة ، وأيسر منها سلوكا .
ثم افترقا ، وقد بقي السؤال على ذهن كل واحد منهما :
هل تكون بطاقة الدعوة بطاقة لخدمة الدين ومصالحه العليا ، ومبادئه العادلة ، وتحقيق أهدافه النبيلة ، أم بطاقة للدخول إلى دائرة لا يدخلها إلا من يحملها ، ولو لم يكن من أهلها ؟.
عبدالباسط شيخ إبراهيم
يوم الاثنين في ١٤٤٨/٤/٢٤هـ
الموافق في ٢٠٢٦/١٠/٥م
المزيد للقراءة
Share

