لماذا ولمن نكتب؟

المزيد للقراءة

لماذا ولمن نكتب؟
…ولكن، وبما أن المجتمع الصومالي لا يجيد -في معظمه- اللغة العربية، كنت أواجه الأسئلة التي ركز عليها جان بول سارتر (1905-1980م) في طرحه لموضوع الأدب: لماذا ولمن نكتب؟ ولماذا أكتب أدبا لا يتسم بالمحلية؟ في تلك الأجواء وقبول الصوماليين على كتاباتي تحمست للفكرة التي تنص على أن قيمة الكاتب تزداد كلما يكتب بلغة أمّه، فبدأت أخطط الكتابة باللغة الصومالية والمساهمة في تطورها وإثراء مكتبتها، إضافة إلى رد الجميل لشعب أمن بقدراتي الكتابية.

ومما زاد عزيمتي في الكتابة باللغة الصومالية لقائي مع صديق تمتد صداقتي به إلى أيام بعيدة مضت. قال لي بنبرة مستاءة: هل وصلتك مقولة توني موريسون (1931–2019م) صاحبة رواية «العين الأكثر زرقة» والكاتبة الأمريكية-الأفريقية الوحيدة التي حصلت على النوبل؟ قالت ذات يوم: “إن تولستوي لم يوجه رواياته لفتيات ولاية أوهايو؛ بل كان يخاطب الشعب الروسي، وأنا أخاطب في رواياتي زنوجنا وعنهم ولهم أكتب، وإذا كانت رواياتي جيّدة إلى حد معقول فسوف تقرأ ويحتفي بها أناس آخرون غير الأمريكيين الأفارقة”.

يا حسن، إن كلوي أرديليا فورد -وهذا اسم ميلادها الحقيقي- أو «ضمير أمريكا الأدبي» كما يقولون، لم تكن تكتب حتى لجميع الأمريكيين؛ بل كانت تولي اهتمامها لأبناء جلدتها المضطهدين، فصارت رواياتها سلوى للمجتمع الأسود في أمريكا. وأنت رغم شحّ الكتّاب في بلادنا ولغتنا المهددة بالانقراض تكتب بلغة لا يفهمها معظم الصوماليين! لقد أغرقني كلامه بالذهول، ووجدت نفسي في موقف محرج، وأدركت أنني ضائع بين لغتين كثيودور كاليفاتيدس تماما.

وبعد هذا اللقاء بسنوات، وفي العاصمة القطرية الدوحة، وعلى هامش مؤتمر المغتربين الصوماليين في يوليو 2024م، التقيت بالدكتور محمد الأحمري، صاحب المؤلفات الشهيرة: «تجربتي الفكرية.. بقايا دروب.. مذكرات قارئ»، وأنا أحمل هموم اللغتين. كان لقاء الدكتور الذي قضى عمره بين المحابر والدفاتر مؤثرا على نحو خاص. لقد نصحني بترك الكتابة باللغة الصومالية، التي يجيدها في بلدي آلاف الكتّاب، والتفرغ للكتابة بالعربية التي تواجه تحديا وجوديا في الصومال.

ورغم وجاهة مبادرته، فإن ترك اللغة الصومالية ليس بالأمر الهيّن، خاصة لمن يعيش في مهدها وبين أهلها. يضاف إلى ذلك أن القارئ العربي قليل الاهتمام بأدب الهوامش. ومن المواقف المحفورة في ذاكرتي أنني نادرا ما صادفت عربيا -مهما بلغت ثقافته- يعرف الصومال خارج نشرات الأخبار؛ فاسمها غالبا ما يقترن بالنمطية والألقاب السيئة: القرصنة، الجوع، وحركة الشباب، وربما بأفلام برخد عبدي مثل «كابتن فيليبس».
#مسامير_الذاكرة

حسن محمود قرني
حسن محمود قرني
كاتب ومدون صومالي

Share

اقرأ هذا أيضًا