مقديشو بين حق التظاهر وواجب حماية الدولة

المزيد للقراءة

في اللحظات السياسية الحساسة، تصبح العواصم مرآة حقيقية لمدى نضج الدولة وقوة مؤسساتها. وهذا ما تعيشه العاصمة الصومالية مقديشو اليوم، مع تصاعد التوتر السياسي بين الحكومة والمعارضة، على خلفية الدعوات إلى تنظيم احتجاجات واسعة داخل المدينة.

لا خلاف على أن التظاهر السلمي حق دستوري مشروع، بل إنه أحد أهم أدوات التعبير السياسي في أي نظام ديمقراطي. غير أن الإشكالية لا تكمن في مبدأ الاحتجاج ذاته، وإنما في الكيفية التي يُدار بها الحراك السياسي، والحد الفاصل بين التعبير السلمي ومحاولات فرض الأمر الواقع عبر الشارع أو استعراض القوة.
الحكومة الصومالية تقول إنها لا تعارض التظاهر، وقد أعلنت بالفعل تخصيص ملعب المهندس يريسو لإقامة الاحتجاجات بشكل منظم وآمن. في المقابل، أصرت بعض أطراف المعارضة على توزيع المظاهرات في عشرات المواقع داخل العاصمة، وهو ما أثار مخاوف حقيقية من انزلاق الوضع نحو الفوضى، خاصة في مدينة لا تزال تتعافى من إرث طويل من الانقسامات الأمنية والعشائرية.
المشكلة الأعمق أن الخطاب السياسي في الصومال ما زال، في بعض الأحيان، يقترب من لغة المواجهة أكثر من اقترابه من لغة الديمقراطية. وعندما تُستخدم تعبيرات تتحدث عن “المعركة القادمة” أو يجري استحضار رمزية الصراع المسلح في سياق سياسي، فإن الرسالة التي تصل إلى الشارع تصبح شديدة الخطورة، خصوصًا في بيئة هشة أمنيًا وقابلة للاشتعال.
مقديشو ليست مجرد ساحة تنافس سياسي، بل مدينة يعيش فيها ملايين المدنيين الذين أنهكتهم الحروب والانفجارات والأزمات المتكررة. ولهذا فإن أي تصعيد غير محسوب قد يهدد ما تحقق من تحسن أمني واستقرار نسبي خلال السنوات الأخيرة، وهو استقرار لا يزال هشًا ويحتاج إلى حماية جماعية من جميع الأطراف.
في المقابل، تقع على الحكومة أيضًا مسؤولية كبيرة في إدارة المشهد بحكمة وضبط نفس، وضمان عدم استخدام القوة بشكل مفرط أو التضييق على الحريات السياسية تحت ذريعة الأمن. فالدولة القوية ليست تلك التي تمنع الاحتجاج، بل التي تستطيع حماية النظام العام وفي الوقت نفسه احترام الحقوق الدستورية للمواطنين.
الصومال اليوم أمام اختبار سياسي مهم: هل تستطيع النخبة السياسية الانتقال من منطق الشارع والسلاح إلى منطق المؤسسات والدستور؟ وهل يمكن للمعارضة والحكومة معًا أن تدركا أن استقرار مقديشو ليس مكسبًا لطرف ضد آخر، بل مصلحة وطنية عليا؟
إن الحفاظ على العاصمة الصومالية من الانزلاق نحو الفوضى يجب أن يكون أولوية تتقدم على الحسابات السياسية الضيقة. فالأوطان لا تُبنى بالتصعيد، بل بالتوافق، ولا تُحمى بالعنتريات السياسية، بل بالحوار والمسؤولية الوطنية.

عبد الرحمن سهل يوسف
عبد الرحمن سهل يوسف
مدير مركز الصومال لتحليل الأزمات

Share

اقرأ هذا أيضًا